سياسة

لشكر.. كاتب أول حتى الموت

مرة أخرى، يختار حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يسبح ضد تيار الزمن السياسي، وأن يُعيد إنتاج نفس الوجوه في مواقع القرار، كأنّ الزمن متجمّد لا يتحرك، وكأنّ الحزب الذي كان يوماً مدرسة في الديمقراطية الداخلية لم يعد يجد في صفوفه بديلاً واحداً لقيادته التاريخية.

إدريس لشكر، الذي تولّى الكتابة الأولى للحزب منذ عام 2012، يجد نفسه اليوم، بفضل تعديلات “ملائمة” في القانون الأساسي، على رأس الاتحاد الاشتراكي لولاية رابعة. تعديل المواد 212 و217 في المؤتمر الوطني الثاني عشر، لم يكن مجرد خطوة إجرائية، بل لحظة كاشفة عن أزمة عميقة في المشهد الحزبي المغربي: أزمة تجديد، أزمة ثقة، وأزمة أفق.

في زمن تتحدث فيه الدولة عن تجديد النخب وربط المسؤولية بالمحاسبة، يصرّ قادة الأحزاب على أن الكراسي لا تُغادر إلا بالموت أو الصمت القسري. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالاتحاد الاشتراكي، بل بمرض مزمن أصاب أغلب التنظيمات السياسية في المغرب، حيث يتحول الزعيم إلى “مالكٍ شرعي” للحزب، وتُفرغ الديمقراطية الداخلية من مضمونها، لتصبح المؤتمرات مجرد مسرحيات محسوبة النتائج سلفاً.

إدريس لشكر، الذي قدّم نفسه في بداية عهده كصوت إصلاحي داخل الحزب، تحول مع مرور الوقت إلى رمز للجمود. تحت قيادته، تراجعت مكانة الاتحاد في الخريطة الانتخابية، وتقلّصت قاعدته الاجتماعية، وانطفأ بريقه النضالي الذي كان يوماً يملأ الشوارع والجامعات. لكن بدل أن يستقيل بشجاعة رجل دولة، آثر أن يُمدّد لنفسه، مُعلناً أن الاتحاد لا يمكن أن يعيش بدونه.

يبرر لشكر التمديد بكونه “استجابة لإرادة القواعد”، لكنّ السؤال الحقيقي هو: أي قواعد؟ تلك التي أُضعفت عبر سنوات من الإقصاء؟ أم تلك التي صارت تعتمد على الولاء لا على الكفاءة؟ عندما تُصبح الديمقراطية مجرد شعار معلّق على جدران المؤتمرات، يفقد الحزب قدرته على إنتاج البدائل، ويموت سياسياً وإن ظل حياً تنظيمياً.

ما حدث في بوزنيقة ليس مجرد انتخاب جديد، بل هو إعلان رسمي عن “شيخوخة” الطبقة الحزبية المغربية. الاتحاد الاشتراكي، الذي أنجب رموزاً من طينة عبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي ومحمد اليازغي، صار اليوم عنواناً لحزب متكلّس، يُدار بعقلية ما قبل التداول.

في الحقيقة، استمرار نفس الوجوه في قيادة الأحزاب يُضعف الديمقراطية برمّتها، لأنه يحرم الأجيال الجديدة من فرص المساهمة والتأثير. كيف يمكن لشاب أو شابة أن يثق في السياسة، إذا كانت الوجوه نفسها تحكم وتفاوض وتوقّع وتُعاد انتخابها منذ عقدين أو أكثر؟

الزمن السياسي في المغرب يحتاج إلى “تغيير في الوجوه قبل الخطابات”، لأن الاستمرار في تدوير نفس القيادات لا ينتج سوى مزيد من العزوف، ومزيد من الفراغ في المشهد. والأحزاب التي لا تُجدد نفسها، محكوم عليها بأن تتحول إلى أرشيف في ذاكرة التاريخ.

إدريس لشكر اليوم ليس مجرد كاتب أول، بل هو رمزٌ لمرحلة سياسية ترفض أن تغادر رغم انتهاء صلاحيتها. ومع ذلك، سيبقى السؤال قائماً: من يجرؤ على قول “كفى” في وجه هذا الاحتكار الحزبي الطويل؟