مجتمع

وكالة الدعم الاجتماعي..توظيفٌ سياسيٌ بئيسٌ

توّلدت وكالة الدعم الاجتماعي في ظرفية دقيقة، كإحدى أهم لبنات ورش الحماية الاجتماعية الذي راهنت عليه الدولة لتقليص الفوارق ومحاربة الفقر.
منذ البداية كان واضحاً أن هذه المؤسسة الناشئة ستثير الكثير من النقاش، لأن دورها يتجاوز مجرد إدارة تقنية إلى مشروع مجتمعي واسع النطاق، يختبر قدرة المغرب على جعل الحماية الاجتماعية واقعاً ملموساً.

لكن ما حدث في الآونة الأخيرة يكشف عن توظيف سياسي بئيس للحملة التي شُنت ضد مديرة الوكالة وفاء جمالي. بدل أن يكون النقاش حول الكفاءة والفعالية، تحوّل الأمر إلى معركة لتصفية الحسابات، خاصة أن بعض الأصوات التي تقود الهجوم اليوم تنتمي إلى المعارضة أو لا تمثيل لها أصلاً في البرلمان. قبل أشهر، كانت الاتهامات موجهة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش بزعم أنه سيستعمل المعطيات الشخصية للمواطنين لأغراض انتخابية، أما الآن فقد صار الهجوم موجهاً نحو الوكالة نفسها، في محاولة لإضعافها وإرباك مسارها.

الوكالة في طور التأسيس، ومن الطبيعي أن تبرم صفقات، وأن تفتح فروعا لتقريب خدماتها من المواطنين، وأن تُنشئ منصات رقمية لتسهيل الولوج إلى الدعم. غير أن البعض أراد أن يجعل من هذه الخطوات مادة سهلة للتحامل، وكأنهم يرفضون أن تنطلق التجربة أساساً. المفارقة أن ميزانية بسيطة لإنشاء موقع إلكتروني للوكالة ـ في حدود مائة ألف درهم ـ قُدمت كدليل على التبذير، في حين أن جماعة ترابية فقيرة بإقليم سطات خصصت سنة 2015 سبعمائة ألف درهم لموقع إلكتروني لا وجود له اليوم. الأرقام هنا تفند الادعاءات، وتبين أن الحديث عن هدر المال العام ليس سوى مزايدة سياسية لا أكثر.

نحن في “زون24” لا ندافع لا عن وفاء جمالي ولا عن عزيز أخنوش. بل على العكس، سبق أن انتقدنا ضعف التواصل لدى الوكالة بوضوح، وقلنا إن استقدام مسؤولة من الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لقيادة التواصل المؤسساتي قد يكون بمثابة مجازفة.
هذا موقف ثابت نكرره ونعيده. لكن في المقابل، يجب أن نقر بأن الوكالة اليوم تحت رقابة مزدوجة من وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت ووزير الميزانية فوزي لقجع، ما يجعل هامش العبث المالي شبه منعدم، ويضمن أن كل درهم يُصرف هو تحت أعين وزارتين سياديتين معروفتين بالصرامة.

يبقى السؤال الأهم: لماذا تُستهدف وكالة الدعم الاجتماعي بهذا الشكل المبكر؟ الجواب البديهي أن نجاحها في الوصول إلى ملايين المواطنين الفقراء سيُعتبر إنجازاً تاريخياً، وسيُحسب للحكومة الحالية. ولذلك، اختار البعض أن يهاجموا الوكالة نفسها حتى لا يُكتب لها النجاح. هنا يتحول النقاش من معارضة مسؤولة إلى ابتزاز اجتماعي خطير، حيث تُستهدف مؤسسة أحدثت لمكافحة الفقر، فقط لأن نجاحها قد يربك حسابات انتخابية.

الواقع أن ما تحتاجه الوكالة اليوم ليس التشويه ولا حملات التشويش، بل نقاش جدي ومسؤول. من المشروع أن تُطرح أسئلة حول شفافية الصفقات، وحول كفاءة الموارد البشرية، وحول طرق الحكامة. من المشروع أن تُطالب المعارضة بتقارير سنوية، وبآليات للتتبع والتقييم، وبانخراط المجتمع المدني في الرقابة. لكن ما لا يُقبل هو أن يُختزل الأمر في عناوين فضفاضة وحملات لا تُغني ولا تسمن من جوع.

وكالة الدعم الاجتماعي ليست ملكاً لمديرة ولا لرئيس حكومة، بل هي مؤسسة ملك لجميع المغاربة. نجاحها يعني تقليص الفقر، وفشلها يعني هدر فرصة ثمينة لتصحيح اختلالات اجتماعية عمرت طويلاً. لذلك، فإن التوظيف السياسي الذي تتعرض له اليوم لا يستهدف جمالي ولا أخنوش وحدهما، بل يستهدف ملايين المواطنين الذين ينتظرون أن يتحقق الوعد بحماية اجتماعية عادلة وفعالة.