المغرب

باشاَ تاهلة..عقلية من زمنِ الرصاصْ

بينما تعمل جمعيات من المجتمع المدني على محاربة كلمة “إعاقة” و”معوق” كما هو متداول في دارجتنا المغربية، والنضال من أجل استبدال هذه الكلمات المهينة بأخرى من قبيل “ذوي القدرات الخارقة” أو حتى “ذوي الاحتياجات الخاصة”، نجد بعض المسؤولين، وهم في كامل قواهم العقلية، ما يزالون يمارسون العنف اللفظي والتمييز العنصري ضد هذه الفئة، وكأنهم يعيشون خارج زمن حقوق الإنسان والدستور، ضاربين عرض الحائط التعليمات الملكية السامية التي تدعو إلى تسهيل الولوجيات وتقديم يد العون لهؤلاء في كل مكان وزمان.

إن من يسيئون الكلمة ويستهينون بتأثيرها وعواقبها على الإنسان، تسكنهم إعاقة من نوع آخر: إعاقة أخلاقية وإنسانية خطيرة، لابد من محاربتها ومحاسبة أصحابها، لأنهم يشكلون خطراً على صورة الإدارة المغربية وعلى كرامة المواطن.

بالأمس، في مهرجان الزربية الوراينية بتاهلة نواحي تازة، والذي ينظم في أول نسخة له، ارتكب باشا المدينة تصرفاً عنصرياً مشيناً يندى له الجبين، حين امتنع عن إدخال أحد السكان من إحدى البوابات لولوج المنصة، موجهاً له كلاماً قاسياً ومهيناً لمجرد أنه يعاني إعاقة على مستوى الرجلين، حيث قال له حرفياً: “عمرك شفتي شي واحد بلا رجلين كيدخل؟” وواصل بكل صلف قائلاً: “ما دخلو حتى لي برجليهم عاد دخل انت”!

السيد مصطفى، الضحية، لم ينبس ببنت شفة، كتمها في قلبه وغادر بخطوات مكسورة وقلب أكثر كسراً، بعدما جاء للمهرجان فقط للترويح عن نفسه والاستمتاع بأول تظاهرة تنظم في مدينته الصغيرة. لكن عنصرية باشا تاهلة حوّلت المتعة إلى ألم، وأثبتت أن بعض رجال السلطة ما زالوا أسرى عقلية الإهانة والإقصاء، وأن السلطة بالنسبة لهم وسيلة لإذلال الناس لا لخدمتهم.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالباشا الذي كان يفترض أن يكون أحد المساهمين في نجاح المهرجان، أصبح أحد أبرز من “ريّبو الحفلة”، حيث أمر رجال الأمن بمنع إحدى الصحافيات من الدخول رغم أنها تحمل “بادج الصحافة”، وبأسلوب متعجرف وفظ قال لها: “تمشي دخل من الباب الآخر”، في تحدٍّ سافر لأبسط قواعد الاحترام المهني والإنساني.

عقليات رجال السلطة التي تتغذى على الغطرسة والعنصرية لابد أن تتغير، وإلا فلابد من تغييرهم، ومنعهم من استعمال السلطة كسلاح ضد مواطنين بسطاء لا يحتاجون سوى كلمة طيبة ومعاملة كريمة لينفذوا الأوامر. على أمثال باشا تاهلة أن يفهموا أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس، وأن زمن إهانة الناس والإفلات من العقاب قد ولى، وأن كل ممارسة عنصرية هي وصمة عار تلاحق مرتكبيها وتضعهم في خانة “ذوي الإعاقة الأخلاقية والإنسانية”.