طنجة في قبضة مافيا العقار..فساد ممنهج يهدد مستقبل المدينة

في مدينة طنجة، بدأت تتكشف خيوط شبكة فساد عقاري معقدة. أبطالها ليسوا سوى منتخبين كبار، كان من المفترض أن يكونوا حماة للمجال الترابي، لكنهم حولوا مناصبهم إلى أدوات للهيمنة والتربح غير المشروع، على حساب حقوق المواطنين وثروات المدينة.
ما يحدث لا يُعدّ مجرد تجاوزات معزولة، بل يمثل نموذجًا محكمًا لما يمكن تسميته بـ”الاستيلاء الممنهج على المجال العقاري”. فقد تم اللجوء إلى تزوير عقود عدلية للاستحواذ على أراضٍ غير محفظة، ثم السعي لتحفيظها وبيعها لاحقًا بمبالغ ضخمة، بلغت في بعض الحالات مليارات السنتيمات. هذه العملية التي تحمل ملامح المافيا، تُدار من داخل المؤسسات المنتخبة وبغطاء من النفوذ السياسي والإداري.
وتشير المعطيات المتوفرة وهي بدرجة عالية من الخطورة, أنه للحفاظ على صورة “نظيفة” للمسؤولين الكبار، جرى الدفع بشخصية من الصف الثاني، يُدعى (أ. ز)، ليتصدر الواجهة. هذا الشخص يقوم بتوقيع عقود بيع وهمية لعدد من البقع الأرضية، مستغلًا عقد شراء عدلي واحد لإصدار عدة رسوم استمرار على أراضٍ متعددة، في تحايل قانوني يجعل من الأرض مادة قابلة للاستنساخ والتكرار، وكأنها أوراق بلا أصل. وهو ما يشكل خرقًا صارخًا لمبادئ الملكية والعدالة.
المعطيات تشير أيضًا إلى أن بعض هذه الأراضي يتم بيعها بعد تحفيظها بمساعدة منتخب يشغل أيضًا منصبًا في المحافظة العقارية بطنجة، بينما يُحوَّل البعض الآخر إلى تجزئات سكنية خارج إطار القانون والتصاميم المصادق عليها، فيما يُعرف محليًا بـ”التجزئات السرية”. هذه التجزئات تُقام في غياب أي بنية تحتية أو مراعاة لقوانين التعمير، مما يشكل تهديدًا للتوازن البيئي والاجتماعي والاقتصادي للمدينة.
ويتردد في الكواليس أن بعض المنتخبين الكبار يتمتعون بحماية نافذة، تعفيهم من أي مساءلة أو متابعة، مما يُفرغ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة من معناه الحقيقي، ويحوّل العدالة إلى نصوص لا تُطبق إلا على الفئات الهشة.
المفارقة المؤلمة أن الشخص المدعو (أ. ز)، المتابع في ملفات تزوير خطيرة، لا يزال طليقًا، يمارس مهامه كالمعتاد في نفس المجال الذي يفترض أن يخضع فيه للمحاسبة. وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول استقلالية القضاء، وحدود سلطة القانون، ومكانة المواطن في نظام بات يضرب الثقة في عمقه.
في ظل هذه المعطيات، تبرز مخاوف حقيقية من أن تتحول طنجة إلى رهينة في يد لوبيات عقارية متنفذة، تفرغ مؤسسات المدينة من مضمونها، وتستنزف مستقبلها في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاحتضان كأس العالم 2030. وهو حدث يتطلب بيئة حضرية آمنة ومستقرة، تمثل صورة مشرفة للمملكة على الصعيد الدولي


