المغرب

الصحراء المغربية..”سالا الفيلم طلعات الكتبة”

طوال أكثر من أربعة عقود، ظلّ ملف الصحراء المغربية موضوعاً مفتوحاً في دواليب الأمم المتحدة وعواصم القرار الدولي، تتقاذفه موجات من التصريحات والبلاغات والتقارير التي لا تنتهي، حتى صار أشبه بفيلم طويل مملّ، لم يعُد أحد ينتظر نهايته. غير أنّ التطورات الأخيرة في الساحة الدبلوماسية الدولية أعطت إشارات واضحة على أن هذا الفيلم قد شارف فعلاً على نهايته، وأنّ حكاية الصحراء كما أراد خصوم المغرب ترويجها، لم تعد تقنع أحداً.

أوروبا التي طالما تذرعت بـ”الحياد الإيجابي” بدأت تتحدث لغة واضحة لا تحتمل التأويل. بريطانيا، في خطوة غير مسبوقة، أعلنت في وضوح نادر أن مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب هي الحل الوحيد الجاد والواقعي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل. الموقف البريطاني الذي عبّر عنه وزير الخارجية خلال زيارته الأخيرة للرباط، لم يترك مجالاً لأي قراءة مزدوجة، ولا لأي تسويق للأوهام القديمة التي ظلت الجزائر وصنيعتها البوليساريو تحاول ترويجها طيلة العقود الماضية.

أما الولايات المتحدة، فقد ثبّتت الموقف الذي أعلنه الرئيس الأسبق دونالد ترامب سنة 2020، حين اعترف بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. وزير الخارجية الحالي عاد ليؤكد أن لا حلّ خارج إطار هذا التصوّر المغربي، رافعاً بذلك الغطاء عن كل المبادرات الموازية التي كانت تتغذّى من تردد القوى الكبرى. وحتى تعاقب الإدارات لم يفلح في تغيير هذا الخيار الاستراتيجي، ما يعني أن واشنطن، بكل ثقلها السياسي والعسكري، حسمت الملف لصالح المغرب بشكل لا رجعة فيه.

التحولات لم تقتصر على العواصم الغربية، بل امتدت إلى إفريقيا. كينيا، وهي من الدول المحورية في القارة، خرجت هي الأخرى بموقف واضح، دعم صريح لمقترح الحكم الذاتي، وفتح لسفارة لها بالرباط، وتدشين لعلاقات استراتيجية جديدة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والسياحة. خطوة كينيا ليست معزولة، بل تندرج في سياق إفريقي أوسع بدأ يميل بوضوح نحو دعم السيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية، في تراجع ملحوظ لدعم الطرح الانفصالي داخل الاتحاد الإفريقي.

ومثل كل الأفلام الطويلة التي تتعثر في نهايتها، أخرج “كتبة التقارير” آخر أوراقهم. تقارير مشبوهة عن حقوق الإنسان، دراسات باهتة تحاول إعادة نبش ملفات التاريخ الاستعماري، مقالات صحفية مدفوعة الأجر تتحدث عن “حق تقرير المصير”. لكن هذه المحاولات جاءت متأخرة، خارج الزمن السياسي الحقيقي، بعد أن صار موقف المنتظم الدولي يميل بقوة إلى أطروحة المغرب، وبعد أن انكشفت لعبة البوليساريو أمام الرأي العام العالمي الذي سئم من تكرار نفس الأسطوانة المشروخة.

منذ سنوات، كان ممكناً لجبهة البوليساريو أن تعوّل على تضارب المواقف في مجلس الأمن، أو على غموض مواقف بعض الدول الكبرى، أو على انقسام القارة الإفريقية، أو على تقارير المنظمات الدولية التي ظلت تُستعمل كورقة ضغط في اللحظات الحاسمة. لكنّ هذا الزمن انتهى، أو في الأقل صار في رمقه الأخير. الجميع صار يتحدث لغة واحدة، من واشنطن إلى لندن مروراً بنيروبي وباريس ومدريد. لغة تؤكد أن مقترح المغرب بالحكم الذاتي هو الحل الوحيد الممكن، الواقعي، والمقبول من الجميع باستثناء خصوم وحدته الترابية.

المغرب اليوم ليس هو مغرب السبعينات ولا حتى مغرب الألفية الجديدة. هو قوة إقليمية صاعدة، له شركاء اقتصاديون وعسكريون في الغرب كما في الشرق، وله مشروع استثماري كبير في أقاليمه الجنوبية، حيث تتدفق الملايير على مشاريع البنية التحتية والطاقة المتجددة والموانئ. هذه الدينامية تفرض نفسها كواقع لا يمكن تجاهله، حتى من طرف خصوم الأمس.

وهكذا، بعد أربعة عقود من الجدل والمراوغة والتقارير الموجهة، يبدو أن فيلم الصحراء قد انتهى فعلاً. لم تبق إلا أصوات خافتة تصدر عن “الكتبة” الذين اعتادوا تدوير الملف وتغذية سوق الوهم. أما على الأرض، فقد تغيّر كل شيء، والواقع الجديد يفرض منطقه بقوة، من نيويورك إلى نيروبي.