المغرب

هشام جيراندو.. جيب يا فم وقول

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتداخل فيه الحقائق مع الأوهام، تظهر شخصيات على هامش المشهد الإعلامي تحاول فرض وجودها عبر أقصر الطرق: الضجيج، والمزايدة، والتصريحات المرسلة التي لا تستند إلى أي أساس معرفي أو توثيقي. ومن بين هذه الأصوات، يبرز هشام جيراندو كمثال صارخ على “القول من أجل القول”، أو كما يقال بالعامية المغربية: “جيم يا فم وقول”.

جيراندو لا يتورع عن الإدلاء بتصريحات ومواقف لا تملك من الرصانة إلا القشرة، بينما في العمق تفتقر إلى الحد الأدنى من الدقة والمصداقية. يطلق الأحكام، يعيد نشر الإشاعات، ويتقمص دور المحلل أو المطلع أو حتى “المحقق”، دون أن يُكلف نفسه عناء الرجوع إلى المعطيات أو المصادر الأصلية. وفي هذا السلوك الإعلامي، تكمن خطورة مزدوجة: تزييف الوعي العام من جهة، وتقويض الثقة في المعلومة الجادة من جهة أخرى.

من بين الأمثلة الفجّة التي تكشف هذا الخلل المعرفي والمنهجي، تصريح جيراندو الذي نسب فيه ملكية موقع Le Desk للصحافي عمر الراضي. وهذه المعلومة، على بساطتها وسهولة التحقق منها، خاطئة تماماً. إذ إن Le Desk أسسه ويملكه الصحافي المعروف علي عمار، بينما كان عمر الراضي مجرد صحافي ضمن هيئة التحرير. القول بعكس ذلك، إما نابع من جهل فادح بأبسط وقائع المشهد الإعلامي المغربي، أو من رغبة في التضليل والخلط بين الأدوار والمسؤوليات.

الفرق بين أن تكون مالكاً لمؤسسة إعلامية وأن تكون صحافياً فيها ليس فرقاً تقنياً بسيطاً، بل هو فارق جوهري يحدد المسؤولية التحريرية، والتوجهات العامة، وحتى الخط التحريري للموقع. ومع ذلك، لم يتورع جيراندو عن تقديم المعلومة مغلوطة في صيغة تقريرية قاطعة، وكأنه يملك الحقيقة المطلقة. وهذا النموذج من الخطاب هو ما يهدد اليوم العمل الصحفي الرصين، لأنه يُعلي من شأن اللغو على حساب التحري، ويجعل من الشخصنة وسيلة لتصفية الحسابات أو لصناعة نجومية وهمية.

الخطير في مثل هذا النوع من الخطاب هو أنه لا يستهدف الحقيقة بقدر ما يستهدف خلق رأي عام هش، مبني على الإنطباع والانفعال بدل التمحيص والتحليل. وبدل أن يتحمل جيراندو مسؤولية تدقيق معلوماته أو مراجعة أخطائه، يستمر في ضخ محتوى سطحي ومشوّش، يركب فيه على القضايا الجدية، فقط ليضمن لنفسه الحضور والصدى.

إن الإعلام، بمفهومه النبيل، يقوم على التوثيق والدقة والنزاهة. والصحافي، في جوهر دوره، هو باحث عن الحقيقة لا مروّج للانطباعات. وعندما يغيب هذا الفهم، تصبح المنابر فضاءات للتضليل بدل التنوير، وتتحول الشخصيات الثانوية إلى “نجوم” من ورق، يلمعون بسرعة لكنهم يذوبون في أول اختبار جدي.

جيراندو ليس ظاهرة معزولة، بل هو نتاج بيئة إعلامية بدأت تسمح بالخلط بين الرأي والمعلومة، وبين التحليل والدعاية، وبين الصحافة والحسابات الفيسبوكية. والرد على هذا الواقع لا يكون بالصمت أو التجاهل، بل بفضح المغالطات، وتسمية الأشياء بمسمياتها، والدفاع عن المعايير المهنية التي تحصن الإعلام من العبث والابتذال.

فليقل جيراندو ما يشاء، “جيب يا فم وقول”، لكن التاريخ المهني لا يحتفظ بالضجيج، بل بالمواقف المبنية على الحقيقة.