المغرب

سعيد امزازي..والي من الجيل الجديد

في زمنٍ لم تعد فيه السلطة مجرّد جهاز إداري صارم، يبرز سعيد أمزازي، والي جهة سوس ماسة، كأحد الوجوه التي تحمل ملامح جيل جديد من رجال الدولة. جيل ذكي، واثق، متصالح مع زمنه، لا يرى في البدلة الرسمية درعاً للعزلة، بل جزءاً من لغة تمثيل الدولة في بعدها المعاصر، المدني، المنفتح. ففي ظهوره الأخير بملعب أدرار بأكادير، بدا أمزازي خارج القوالب النمطية لرجل السلطة: أنيقاً، بسيطاً، مندمجاً في فضاء عمومي دون توتر، متفاعلاً لا متعالياً، مبتسماً لا مراقباً بجمود.

هذا الحضور لم يكن عرضياً. فهو جزء من مسار رجل راكم تجربة علمية وإدارية طويلة، متنقلاً من فضاء الجامعة إلى رئاسة جامعة محمد الخامس، ثم وزارة التربية الوطنية، فناطقا باسم الحكومة، قبل أن يُعيَّن والياً على جهة استراتيجية مثل سوس ماسة. مسار يؤهله لأن يفكر في الإدارة بمنطق التجديد لا التكرار، بمنطق الإصغاء لا الإملاء. وهو بذلك يحرر صورة رجل السلطة من عبء الذاكرة الشعبية التي كانت تربطه طويلاً بالسلطة المتصلبة، ويقترح وجهاً جديداً: سلطة قريبة، ذكية، ناعمة دون أن تكون ضعيفة.

أمزازي لا يكتفي بإدارة الملفات من وراء المكاتب، بل يخرج إلى الميدان، يعاين المشاريع، يلتقي بالمواطنين، يفتح باب النقاش مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين. هو يُمارس نوعاً من التحديث الرمزي للسلطة، لا عبر الخطاب فقط، بل عبر الجسد أيضاً: حضوره، مظهره، وطريقته في التفاعل، كلّها رسائل تعيد تعريف علاقة الدولة بالمجتمع، وتعيد رسم صورة رجل السلطة في المخيال الجماعي، ليس كمتسلّط، بل كمسؤول حاضر، شريك، ومؤتمن.

في جهة سوس ماسة، حيث تتقاطع التحديات المجالية والثقافية والاجتماعية، لا تكفي الآليات الإدارية الكلاسيكية. تحتاج المنطقة إلى من يعرف كيف يُصغي، وكيف يُقنع، وكيف يُقرّب السياسات العمومية من نبض الناس. أمزازي، بخلفيته العلمية وقدرته على التأطير والتواصل، يبدو مؤهلاً للعب هذا الدور بتوازن وذكاء. لا يفرض حضوره من موقع القوة، بل من موقع الفعالية. لا يلوّح بمنطق التعليمات، بل يشتغل بمنطق المشروعية التشاركية، منفتحاً على الفاعلين، دون التفريط في موقعه كسلطة تنفيذية.

الرسالة التي بعثها ظهوره الأخير بملعب أدرار، في حدث رياضي جماهيري، هي أن رجل السلطة ليس مضطراً إلى أن يكون منقطعاً عن المجتمع، ولا أن يتحصّن وراء البروتوكول كي يحافظ على هيبته. بالعكس، في زمن الصورة، قد تكون الهيبة الحقيقية هي في القرب، في الذكاء الاجتماعي، في البساطة المحسوبة، وفي القدرة على فهم إيقاع الناس لا فقط إيقاع الإدارة. وحين يتقن الوالي لغة هذا التوازن، كما فعل أمزازي، فإن السياسة تخرج من عزلتها، وتصبح ممارسة حية، يومية، وديناميكية.

سعيد أمزازي هو اليوم أكثر من مجرد مسؤول ترابي. هو إشارة إلى نموذج قادم في الإدارة المغربية: نموذج يوازن بين السلطة والمعرفة، بين الرمزية والتواصل، بين الدولة والمجتمع. نموذج لا يحتاج إلى رفع الصوت، بل يكفيه أن يحسن الإنصات. وإذا استمر في هذا المسار، فقد نكون أمام تجربة تستحق أن تُرصد لا فقط كحالة فردية، بل كاتجاه جديد في تمثل الدولة لنفسها ولعلاقتها بالمواطن.