المغرب

الداخلية والفلاحة..تكامل حكومي

في سياق التحديات التي تواجه القطاع الفلاحي بالمغرب، خاصة ما يتعلق بالحفاظ على القطيع وإعادة تكوينه بعد موجات الجفاف المتكررة والكوارث الطبيعية مثل زلزال الحوز، أطلقت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات برنامجا طموحا لإعادة تكوين القطيع ودعم المربين. غير أن هذا البرنامج، الذي يعتمد على توزيع الأعلاف والدعم المباشر وتنظيم حملات تلقيح ومواكبة تقنية، أثار نقاشا في أوساط بعض المتابعين حول “تحويل اختصاصات” من وزارة الفلاحة إلى وزارة الداخلية، ما يفرض الوقوف عند خلفيات هذا التصور وتصحيحه.

في حقيقة الأمر، لا يتعلق الأمر بتحويل للاختصاصات بقدر ما هو تأكيد على البعد الترابي في تنزيل السياسات العمومية، وهو بعد يقتضي تدخل وتنسيق السلطات المحلية باعتبارها الفاعل الأقرب للمواطنين والمتمكن من معرفة حاجياتهم وظروفهم الاجتماعية والاقتصادية. فالحديث عن “إشراف” لجان محلية على تدبير الدعم، وتدخل السلطات المحلية في توزيع الأعلاف أو المساعدات، لا يعني أن وزارة الداخلية باتت هي من تضع السياسة الفلاحية أو تتولى تنفيذ برامجها، بل فقط تساهم في التأطير الميداني لهذه البرامج.

إن وزارة الفلاحة تبقى الجهة المختصة بصياغة وتنفيذ السياسات العمومية المرتبطة بالإنتاج الحيواني وتدبير سلاسل القيمة الفلاحية، وهي التي أعدت البرنامج المذكور وحددت محاوره الستة: من توزيع الأعلاف، إلى التلقيح، إلى التخفيف من المديونية، إلى إمكانية الدعم المباشر. أما السلطات المحلية، فهي تضطلع بدور الوسيط التنظيمي والإداري لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، عبر لجان محلية تشتغل تحت إشراف العمال والولاة، بما يضمن نجاعة التدخل، ويقلص من الفوارق المجالية.

ويجب التذكير بأن هذا النمط من التدبير المشترك ليس جديدا على التجربة المغربية، بل تم اعتماده في برامج عديدة سابقة، مثل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أو برامج توزيع المساعدات خلال الأزمات، أو دعم التمدرس في المناطق القروية. وقد أثبت هذا التنسيق بين القطاعات الوزارية والسلطات الترابية فعاليته في تسريع التنفيذ وتجنب مظاهر الريع أو المحسوبية.

غير أن الغموض في التواصل المؤسسي أحيانا، وغياب التوضيح حول طبيعة الأدوار وتقاطعها، هو ما يفسر انتشار تأويلات تعتبر إشراف الداخلية على تنفيذ الدعم بمثابة سحب للصلاحيات من وزارة الفلاحة. والحال أن ما يحصل لا يعدو أن يكون تفعيلًا لمبدأ الالتقائية في السياسات العمومية، وتدعيمًا للنجاعة في صرف المال العام، وضمانًا للاستهداف العادل للمستفيدين.

لذلك، فإن تصويب هذا الفهم الخاطئ يمر عبر تعزيز الشفافية في التواصل، ونشر المعطيات التفصيلية حول أدوار كل طرف في تنفيذ البرنامج، بما يكرس الثقة في المؤسسات ويعزز من انخراط الفاعلين المحليين والمهنيين على حد سواء.

وفي انتظار التفعيل الرسمي لبند الدعم المباشر للمربين، تظل الخطوة الحاسمة اليوم هي استكمال عملية ترقيم القطيع، وهي عملية تقنية لكن ذات أبعاد استراتيجية، لأنها تؤسس لنظام دعم قائم على معايير مضبوطة، بعيدا عن العشوائية أو التقديرات الجزافية.

ختامًا، إن النقاش حول “تحويل الاختصاصات” ينبغي أن يُستبدل بنقاش أكثر عمقًا حول آليات التنسيق بين القطاعات، ومكانة الفاعل المحلي في تحقيق أهداف التنمية الفلاحية، لأن التنمية، كما أظهرت التجربة، لا تتحقق فقط من خلال السياسات المركزية، بل كذلك عبر انخراط فعّال للسلطات المحلية والمهنيين والمجتمع المدني في تنفيذها ميدانيا.