المغرب

الحسن الداكي والنيابة العامة المواطنة

قال الديوان الملكي في بلاغه إن “الداكي أدى المهام الموكولة إليه بأمانة وإخلاص، وبكل نزاهة وتجرد، في سبيل تعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وضمان حقوق وحريات الأشخاص والجماعات”.

بهذا التقدير العالي تُختَتم مرحلة مفصلية في تاريخ الحسن الداكي والنيابة العامة المواطنةالنيابة العامة بالمغرب، قادها الحسن الداكي منذ تعيينه وراهن خلالها على ترسيخ مبدأ “النيابة العامة المواطنة”، التي تنصت لنبض المجتمع، وتشتغل بروح الدستور، وتتفاعل مع التحولات المجتمعية والمؤسساتية.

في هذا المقال، نجرد أهم المشاريع والمبادرات التي بصم بها الداكي مرحلة ولايته، من تأطير قضايا العنف ضد النساء، إلى ترسيخ قيم الحكامة في تدبير النيابات العامة، وصولًا إلى تعزيز التعاون المؤسساتي والانفتاح على محيط العدالة، في إطار تصور يعيد للمواطن ثقته في العدالة الجنائية.

في ظل تنامي وعي المجتمع بقضايا العنف المبني على النوع، جعل الحسن الداكي من حماية النساء والفئات الهشة أولوية استراتيجية. فقد عمل على تفعيل مقتضيات القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، من خلال توجيه منشورات دورية للوكلاء العامين ووكلاء الملك، لحثهم على تبني مقاربة وقائية وزجرية متوازنة، تراعي خصوصية الضحايا وتسرّع المساطر القضائية. كما تم إحداث خلايا جهوية ومحلية للاستماع والتكفل بالضحايا، وتطوير آليات الشكاوى الإلكترونية، مما عزز ثقة المواطنات في العدالة، وأعطى مضمونًا حقيقيًا لفكرة “النيابة العامة المواطنة”.

استقلال النيابة العامة لم يكن فقط شعارًا دستوريًا، بل مسارًا فعليًا اختاره الحسن الداكي، من خلال تخليق العمل القضائي وتعزيز الشفافية. وقد تجلّى ذلك في حرصه على إصدار تقارير سنوية مفصلة، تبرز عمل المؤسسة وتوضح معايير الأداء والمردودية. كما عمل على تكوين قضاة النيابة العامة في مجالات حقوق الإنسان، ومناهضة التعذيب، والمحاكمة العادلة، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية ويكرس صورة العدالة النزيهة المستقلة عن التعليمات السياسية أو الإدارية.

في إطار تنزيل الورش الوطني للتحول الرقمي، راهن الداكي على رقمنة مسارات النيابة العامة، سواء عبر تطوير البوابة الإلكترونية لتلقي الشكاوى والتبليغات، أو عبر تسهيل الولوج إلى المعلومات القانونية من خلال نشر منشورات ومذكرات توجيهية موجهة للعموم. هذا التوجه لم يكن تقنيًا فقط، بل يعكس فلسفة “النيابة العامة المواطنة” التي تجعل من العدالة خدمة عمومية قائمة على الشفافية والنجاعة والقرب.

كما حرص الداكي على تكريس منهجية الانفتاح والتنسيق، سواء مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية، أو مع وزارة العدل، دون المساس باستقلالية النيابة العامة. كما عزز علاقات التعاون مع رئاسة الحكومة، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وجمعيات المجتمع المدني، من أجل تنزيل السياسات الجنائية بشكل متكامل وفعّال. هذا التنسيق أثمر مبادرات مشتركة، أبرزها برامج محاربة تزويج القاصرات، وحماية الطفولة، وتجويد ظروف الاعتقال الاحتياطي، مما أعطى للنيابة العامة بعدًا مواطنيًا وإنسانيًا أكثر وضوحًا.

لم يكن تطوير أداء النيابة العامة ليكتمل دون الاستثمار في الرأسمال البشري، وهو ما وعاه الحسن الداكي مبكرًا، حيث جعل من التكوين المستمر والتأطير التقني والعلمي أحد أعمدة الإصلاح. وفي هذا الإطار، تم تنظيم عشرات الدورات التكوينية لفائدة قضاة النيابة العامة، بتنسيق مع رئاسة النيابة العامة والمعهد العالي للقضاء، شملت مجالات حيوية مثل الجرائم المالية، وجرائم الاتجار بالبشر، والجريمة السيبرانية، فضلًا عن تقنيات التواصل القضائي والتعامل مع الضحايا.

وقد ساهم هذا التكوين المتخصص في تأهيل قضاة قادرين على تنزيل السياسة الجنائية بكفاءة، وتطوير خطاب قضائي يراعي حقوق الإنسان ويستند إلى المعايير الدستورية والدولية. وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا نحو مؤسسة قضائية أكثر مهنية، وأكثر قربًا من المواطن.