مجتمع

شهادة صادمة من قلب مقهى للشيشة..بيع معسل “مدرح” مكون من بقاي خشب وباربا

لم يعد النقاش حول مقاهي الشيشة في الدار البيضاء مرتبطاً فقط بالضجيج أو احتلال الملك العمومي أو غياب التراخيص، بل بدأ يأخذ منحى أخطر يمسّ بشكل مباشر صحة المواطنين، بعدما كشفت شهادة حصرية حصل عليها موقع “زون24” عن ممارسات صادمة داخل أحد المقاهي المعروفة وسط العاصمة الاقتصادية.

عبد الكريم، وهو مستخدم سابق في مقهى للشيشة بشارع فرانكلين روزفلت بالدار البيضاء، قرر كسر جدار الصمت بعد سنوات من العمل داخل هذا الفضاء، مؤكداً في حديثه للجريدة أن ما يُقدَّم للزبائن لا علاقة له بما يُعرض عليهم تحت اسم “المعسل”.

يقول عبد الكريم إن المقهى الذي اشتغل فيه كان يقدم للزبناء ما يُعرف داخلياً بـ”المعسل المدرّح”، وهو خليط يتم تحضيره بعيداً عن أعين الزبائن، ويتكون ـ حسب شهادته ـ من بقايا نجارة الخشب أو مسحوق الخشب المطحون ممزوجاً بمادة تُعرف بين العاملين باسم “الباربا”، قبل إضافة منكهات صناعية لإخفاء الرائحة الحقيقية للمكونات.

ويضيف المتحدث أن الهدف من هذا الخليط هو تقليص التكلفة وتحقيق هامش ربح أكبر، لأن المعسل الأصلي مكلف نسبياً، بينما تسمح هذه المواد البديلة بتقديم عشرات الرؤوس يومياً بثمن منخفض وتكلفة شبه منعدمة. الأخطر، حسب الشهادة ذاتها، أن عدداً من العاملين كانوا على علم بطبيعة المكونات، لكنهم يلتزمون الصمت خوفاً من فقدان عملهم.

الشهادة تطرح سؤالاً مقلقاً: ماذا يستنشق فعلياً الزبون حين يجلس لساعات داخل مقهى للشيشة؟ فاستنشاق دخان ناتج عن احتراق بقايا الخشب أو مواد مجهولة المصدر لا يمكن اعتباره مجرد تدخين تقليدي، بل قد يتحول إلى تعريض مباشر للرئة لمواد سامة وجزيئات دقيقة قد تسبب أمراضاً تنفسية خطيرة ومضاعفات صحية طويلة الأمد.

مصادر طبية أكدت لـ”زون24” أن احتراق مواد غير مخصصة للاستهلاك البشري قد يؤدي إلى إطلاق مركبات كيميائية شديدة الخطورة، خاصة عندما يتم استنشاقها بشكل مباشر عبر الشيشة، حيث يصل الدخان بتركيز عالٍ إلى الجهاز التنفسي دون أي تصفية حقيقية.

ولا تقف الخطورة عند حدود المكونات فقط، بل تمتد إلى غياب أي مراقبة فعلية لمسار تصنيع أو تخزين المعسل داخل عدد من المقاهي، إذ يتم خلط المواد في غرف خلفية أو مستودعات غير خاضعة لأي معايير صحية أو رقابة مؤسساتية، وفق ما أكده عبد الكريم.

هذه المعطيات تعيد إلى الواجهة سؤال المسؤولية: أين هي الجهات الوصية على صحة المغاربة؟ وأين مراقبة مصالح حفظ الصحة الجماعية، والمكاتب الجماعية للسلامة الصحية، ولجان المراقبة المختلطة التي يفترض أن تقوم بزيارات دورية للتأكد من سلامة ما يُقدَّم للمواطنين؟

فالمفارقة الصادمة أن مقاهي الشيشة باتت تنتشر بشكل لافت في عدد من أحياء الدار البيضاء، بعضها يشتغل في واضحة النهار، ويستقبل يومياً عشرات الزبائن، بينهم شباب وقاصرون أحياناً، دون أن يشعر المستهلك بأن ما يستنشقه قد يكون خليطاً صناعياً خطيراً لا علاقة له بمنتوج قانوني مراقب.

الأخطر أن الزبون يؤدي مقابلاً مادياً مقابل منتوج قد يتحول إلى تهديد مباشر لصحته، في ظل غياب المعلومة وغياب الشفافية، بينما تستمر بعض المقاهي في تحقيق أرباح مرتفعة على حساب صحة المواطنين.

شهادة عبد الكريم ليست مجرد رواية فردية، بل مؤشر على سوق موازية غير مراقبة، تتحرك في هامش القانون وتستفيد من ضعف المراقبة وتداخل الاختصاصات بين المؤسسات. فحين يصبح الربح أهم من صحة الإنسان، تتحول مقاهي الترفيه إلى فضاءات محتملة للخطر الصحي الجماعي.

اليوم، لم يعد السؤال هل توجد تجاوزات داخل بعض مقاهي الشيشة، بل إلى أي حد وصلت هذه التجاوزات؟ وكم من مواطن يستنشق يومياً مواد مجهولة المصدر دون أن يعلم؟

الكرة الآن في ملعب السلطات الصحية والرقابية لفتح تحقيقات ميدانية عاجلة، لأن حماية صحة المغاربة لا يمكن أن تبقى مجرد شعار، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية تفرض التدخل قبل أن تتحول هذه الشهادات إلى فضيحة صحية حقيقية.