صحة

بين التقييد والتحرير: لماذا ننتقل من “احتياجات خاصة” إلى “تحديات وقدرات خاصة”؟

يشكّل الخطاب اللغوي أحد أبرز العوامل في تشكيل الوعي الفردي والجماعي؛ فالكلمات لا تنقل المعنى فقط، بل تصنع التصورات، وتوجّه السلوك، وتبني المواقف. ومن هذا المنطلق، يبرز اليوم ضرورة إعادة النظر في مصطلح “احتياجات خاصة”، لما يحمله من دلالات تختزل الإنسان في بعد واحد من تجربته، نحو تعبير أكثر توازنا وإنصافا: “تحديات وقدرات خاصة”.

حين يختزل مصطلح “احتياجات” الإنسان في النقص

يعكس استعمال مصطلح “احتياجات خاصة” رؤية تركز على ما ينقص الفرد أكثر مما تبرز ما يمتلكه من إمكانات. وبهذا، يتم تعريف الإنسان من خلال حاجته، لا من خلال قدراته أو مسار تطوره.

هذا التوجه لا يبقى في مستوى اللغة فقط، بل ينعكس على عدة مستويات مترابطة. فعلى مستوى الأسرة، ينتج هذا الخطاب تصورا بأن الطفل سيكون في موقع اعتماد دائم، مما يوجّه الجهود نحو الحماية المستمرة بدل دعم الاستقلالية وبناء المهارات.

أما على مستوى الشخص نفسه، فإن تكرار هذا التصور يرسّخ إحساسا داخليا بالاعتماد على الآخرين، ويؤثر على بناء الثقة بالنفس والإحساس بالكفاءة.

وعلى مستوى المجتمع، تسهم هذه اللغة في ترسيخ صورة نمطية ترى الفرد من زاوية النقص، مما قد يحدّ من فرص الدمج والمشاركة الفاعلة، ويضعف إدراك قيمته كعنصر منتج داخل المجتمع.

نحو رؤية قائمة على التحدي والقدرة

في المقابل، يقدّم مفهوم “تحديات وقدرات خاصة” منظورا مختلفا يقوم على إعادة التوازن للصورة. فالتحدي ليس حالة استثنائية، بل هو جزء من التجربة الإنسانية التي يعيشها كل الأطفال وأوليائهم يوميا في مسارهم نحو التطور وتحقيق أفضل نسخة من أنفسهم.

هذا التحول في الخطاب يسمح بالاعتراف بالصعوبات دون اختزال الإنسان فيها، وفي الوقت نفسه يسلّط الضوء على ما يمتلكه من قدرات قابلة للنمو والتطور. وبذلك، يتحول دور الأسرة من التركيز على الحماية إلى دعم المسار التطوري وتعزيز الاستقلالية.

كما يساهم هذا التغيير في تعزيز صورة ذاتية أكثر إيجابية لدى الفرد، قائمة على الكفاءة والإمكانات، بدل الاكتفاء بكونه متلقيا للمساعدة.

وعلى مستوى المجتمع، يعيد هذا المفهوم التوازن للنظرة العامة، فيبرز أن لكل فرد قيمة ودورا، وأن التحديات لا تنفي القدرة على العطاء والمساهمة.

نحو تحول في الثقافة المجتمعية

إن الانتقال من “احتياجات خاصة” إلى “تحديات وقدرات خاصة” لا يعد مجرد تغيير لغوي، بل هو تحول في الرؤية والفكر:
• من التركيز على النقص إلى الاعتراف بالإمكانات
• من منطق الاعتماد إلى منطق التمكين
• من التصنيف إلى الفهم الإنساني الشاملالإنسان لا يختزل في ما ينقصه، بل يفهم في كليته: بتحدياته وقدراته، وبمساره اليومي في التطور والتجاوز. واعتماد خطاب أكثر دقة وإنصافا يشكّل خطوة أساسية نحو مجتمع أكثر عدلا، يرى في التحدي جزءا طبيعيا من التجربة الإنسانية، وفي القدرة أساسا للكرامة والمشاركة.

الدكتورة نزهة عراقي
رئيسة الجمعية المغربية لكنوز 21