فرعون بجماعة امزورة..لا ماء لا إسعاف لمن لا يصوت عليه

في زمن يُفترض فيه أن تكون الجماعات الترابية فضاءات لخدمة المواطنين بدون تمييز، تتحول بعض الجماعات للأسف إلى ضيعات انتخابية خاصة، يُكافَأ فيها الموالون ويُعاقَب المخالفون. هذا بالضبط ما تعيشه ساكنة جماعة أمزورة التابعة ترابياً لإقليم سطات، حيث تتصاعد شكاوى المواطنين من ممارسات وصفها العديد منهم بـ”الانتقام السياسي” الممنهج.
رئيس الجماعة، حميد نور السادات، المنتخب باسم حزب الأصالة والمعاصرة، أصبح في نظر عدد من سكان الدواوير “فرعون زمانه”، بعدما ربط الاستفادة من خدمات أساسية كالماء الصالح للشرب وسيارة الإسعاف بنتائج صناديق الاقتراع، لا بحقوق المواطنة التي يكفلها الدستور.
شهادات متطابقة من ساكنة الجماعة تؤكد أن دواوير كاملة تعاني العطش، رغم توفر الإمكانيات التقنية لتزويدها بالماء، فقط لأنها لم تمنح أصواتها للرئيس خلال الانتخابات الجماعية الأخيرة. الماء، الذي يفترض أن يكون حقاً إنسانياً أساسياً، تحول إلى أداة ضغط سياسي، تُستعمل لمعاقبة الخصوم وإخضاع الساكنة لمنطق الولاء الانتخابي.
الأمر لا يقف عند الماء فقط، بل يمتد إلى خدمات أكثر حساسية وخطورة، وعلى رأسها سيارة الإسعاف. فحسب إفادات عدد من المواطنين، تُرفض أحياناً طلبات نقل المرضى أو الحالات المستعجلة بدعوى “عدم توفر السيارة”، بينما يؤكد السكان أن معيار الاستفادة أصبح واضحاً: من صوّت للرئيس تُفتح له الأبواب، ومن اختار غيره يُترك لمصيره.
أي منطق هذا الذي يجعل حياة المواطنين وصحتهم رهينة حسابات انتخابية؟ وأي تدبير جماعي هذا الذي يحول مؤسسة منتخبة إلى أداة تصفية حسابات سياسية؟
الدستور المغربي واضح في هذا الباب، إذ ينص على ربط المسؤولية بالمحاسبة وعلى المساواة بين المواطنين في الولوج إلى الخدمات العمومية. كما أن القوانين المنظمة للجماعات الترابية لا تمنح لأي رئيس جماعة حق التمييز بين السكان على أساس سياسي أو انتخابي. المنتخب يمثل جميع المواطنين، بمن فيهم الذين لم يصوتوا له، بل وحتى الذين عارضوه بشدة.
ما يحدث في جماعة أمزورة يطرح أسئلة عميقة حول دور السلطات الإقليمية وآليات المراقبة الإدارية. فهل من المقبول أن تبقى ساكنة بأكملها تحت رحمة مزاج سياسي؟ وهل يُعقل أن تتحول سيارة إسعاف ممولة من المال العام إلى “امتياز انتخابي” بدل أن تكون خدمة إنسانية عاجلة؟
الأخطر في هذه الممارسات أنها تضرب الثقة في العمل السياسي والمؤسساتي. حين يشعر المواطن أن صوته الانتخابي قد يتحول إلى سبب لمعاقبته، فإن الديمقراطية نفسها تصبح موضع شك. فالانتخابات ليست بيعة، والرئيس ليس زعيماً لقبيلة، والجماعة ليست ملكاً خاصاً.
ساكنة أمزورة اليوم لا تطالب بامتيازات، بل بحقوق بسيطة: ماء يشربونه، وسيارة إسعاف تنقذ مرضاهم، ومعاملة تحفظ كرامتهم كمواطنين مغاربة.
إن استمرار مثل هذه السلوكات يعيد إلى الأذهان زمن “السيبة” السياسية، حيث كانت السلطة المحلية تُمارس بمنطق التحكم لا بمنطق الخدمة العمومية. لذلك، فإن تدخل الجهات الوصية أصبح ضرورة ملحة لفتح تحقيق إداري جدي في هذه الاتهامات، وترتيب المسؤوليات إن ثبتت صحتها.
لأن الجماعة ليست عرشاً، والرئيس ليس فرعوناً، والمواطن ليس تابعاً ينتظر الرضا السياسي ليحصل على حقه في الحياة.


