مجتمع

الساعة الإضافية..إجماع على الرفض

مرة أخرى، تعود “الساعة الإضافية” إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتبارها مجرد قرار إداري عابر، بل كخيار يمس تفاصيل الحياة اليومية للمغاربة. في حلقة جديدة من برنامج “سكانير” الذي تبثه إذاعة إم إف إم من الاثنين إلى الجمعة طيلة شهر رمضان، فتح الزميل خالد الكيراوي، بمعية خولة دحو وماء العينين عناني وياسين حسناوي مدير نشر زون24، ملف الساعة الإضافية بين القبول والرفض… فكان العنوان العريض: رفض واسع يتجدد كل سنة.

النقاش لم يكن تقنياً صرفاً، بل اجتماعياً بامتياز. المتدخلون استحضروا آثار الساعة الإضافية على إيقاع النوم، على التلاميذ الذين يغادرون بيوتهم قبل بزوغ الفجر، وعلى الموظفين الذين يقطعون مسافات طويلة في ظلام دامس. في رمضان تحديداً، حيث يتغير نسق الحياة وتختلط ساعات العمل بالعبادة والراحة، تبدو الفجوة الزمنية أكثر حدة، ويطفو السؤال: من المستفيد الحقيقي من هذا الخيار؟

معظم الآراء التي عبرت عنها الحلقة، سواء من خلال مداخلات الضيوف أو تفاعلات المستمعين، ذهبت في اتجاه واضح: الساعة الإضافية لا تحظى بالقبول الشعبي. فبالنسبة لكثيرين، هي عبء نفسي وجسدي أكثر منها رافعة اقتصادية. البعض تحدث عن اضطرابات النوم، آخرون عن صعوبة التوفيق بين الحياة المهنية والأسرية، وآخرون عن تأثيرها على الأطفال في سن التمدرس.

المدافعون عن الساعة الإضافية يستندون عادة إلى اعتبارات اقتصادية، مرتبطة بتقليص استهلاك الطاقة أو ملاءمة التوقيت مع الشركاء الدوليين. غير أن هذه المبررات، كما أشار عدد من المتدخلين في “سكانير”، لم تُقنع الرأي العام بما يكفي، خاصة في ظل غياب تواصل مؤسساتي قوي يشرح بالأرقام والوقائع حجم المكاسب المحققة فعلاً.

الاستثناء الوحيد في حلقة البرنامج كان رأي المحلل المالي والاقتصادي المهدي فقير، الذي أكد أنه يتعايش مع الساعة الإضافية، معتبراً أن المسألة ترتبط بالاعتياد أكثر مما ترتبط بالرفض المبدئي. وأشار إلى أن جزءاً من الاعتراضات مرده نفسي وثقافي، وأن أي تغيير في نمط الزمن يحتاج إلى فترة تأقلم. لكنه، رغم ذلك، لم ينكر وجود كلفة اجتماعية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تقييم السياسة الزمنية للبلاد.

غير أن هذا الرأي ظل معزولاً وسط موجة من الانتقادات. فالإجماع الذي عكسته الحلقة كان واضحاً: المغاربة لم يهضموا بعد فكرة الاستمرار في العمل بالساعة الإضافية طيلة السنة، باستثناء فترة رمضان. بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن فرض هذا التوقيت بشكل دائم دون استشارة واسعة يعمق فجوة الثقة بين القرار العمومي وانتظارات المواطنين.

النقاش الذي احتضنه “سكانير” لم يكن مجرد تبادل آراء، بل كان مرآة لنبض الشارع. فالبرنامج، الذي اختار منذ انطلاقه في رمضان أن يلامس القضايا المجتمعية والسياسية الحساسة، نجح مرة أخرى في تحويل موضوع تقني إلى نقاش عمومي حي، تتقاطع فيه الاعتبارات الصحية والاجتماعية والاقتصادية.

في النهاية، قد تختلف المبررات، وقد تتعدد الزوايا، لكن الرسالة التي خرجت بها الحلقة كانت واحدة: الزمن ليس مجرد أرقام على عقارب الساعة، بل هو إيقاع حياة مجتمع بأكمله. وعندما يشعر هذا المجتمع بأن ساعته لا تعكس راحته ولا توازن يومه، يصبح الرفض لغة مشتركة، حتى وإن وُجد من يتعايش مع الاختلاف.

الساعة الإضافية، إذن، ليست مجرد ستين دقيقة تُضاف إلى اليوم، بل قضية رأي عام تتجدد كل سنة، وتستدعي نقاشاً أعمق، يقوم على الإنصات والمعطيات الدقيقة، لا على القرارات المعزولة. وبين القبول المحدود والرفض الواسع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل آن الأوان لإعادة ضبط عقارب القرار على توقيت المواطن؟