بلا قيود

حين تعيد الدولة ضبط الإيقاع الترابي

يعود النقاش حول دور وزارة الداخلية إلى الواجهة كلما برز توتر أو اختلال في العلاقة بين المركز والجماعات الترابية.

غير أن ما يوصف اليوم بـ“العودة القوية” لا يمكن فصله عن السياق الدستوري والسياسي الذي دشنته وثيقة 2011.

فهذا الدستور أقر تحولات عميقة في هندسة السلطة الترابية، وجعل من التدبير الحر قاعدة مؤطرة للعمل الجماعي المحلي.

لكن التدبير الحر، في جوهره، لم يكن يوماً إعلان قطيعة مع الدولة المركزية.

بل هو تنظيم جديد للعلاقة، يقوم على توزيع الاختصاصات لا على تفكيك السلطة.

من هنا، فإن قراءة التحولات الجارية تقتضي تجاوز الأحكام الانفعالية.

فالدولة، بحكم طبيعتها، مطالبة بضمان وحدة القرار العمومي.

والجماعات الترابية، بحكم انتخابيتها، مطالبة بتجسيد الديمقراطية المحلية.

بين هذين البعدين يتشكل مجال التوازن الدقيق.

لقد منحت القوانين التنظيمية صلاحيات واسعة للجهات والجماعات.

وأُسندت إليها اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة.

غير أن نقل الاختصاص لا يعني نقل كل أدوات الفعل.

فالإمكانات المالية والبشرية ظلت في كثير من الأحيان دون مستوى الطموح.

كما أن التجربة أبانت عن تفاوت كبير بين الجهات.

فهناك مجالس راكمت خبرة معتبرة في التخطيط والتنفيذ.

وأخرى واجهت صعوبات في بلورة برامج تنموية مندمجة.

وهذا التفاوت أفرز حاجة موضوعية إلى تدخل تنسيقي أقوى.

إن وزارة الداخلية، عبر الولاة والعمال، تمارس رقابة مشروعية لا رقابة ملاءمة.

غير أن الحدود بين الرقابتين قد تلتبس في الواقع العملي.

فعندما يتعلق الأمر بحماية النظام العام أو المال العام، يتعزز حضور السلطة المركزية.

وهو حضور يجد سنده في مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

لا يمكن إنكار أن بعض المجالس وقعت في اختلالات تدبيرية.

سواء على مستوى الصفقات أو في تنفيذ المشاريع أو في تدبير الموارد.

وهنا يصبح تدخل الدولة آلية لتصحيح المسار لا لمصادرة القرار المحلي.

الجهوية المتقدمة ليست شعاراً سياسياً فحسب، إنها مشروع استراتيجي لإعادة توزيع الثروة والسلطة. غير أن هذا المشروع يقتضي نضجاً مؤسساتياً متدرجاً.

فلا ديمقراطية محلية بدون كفاءة إدارية.

ولا استقلالية فعلية دون قدرة على تعبئة الموارد.

فالتحولات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها المغرب تفرض انسجاماً عالياً في السياسات.

كما أن المشاريع المهيكلة تحتاج إلى تنسيق محكم بين المستويات الترابية.

وأي تعثر محلي قد ينعكس على صورة الدولة ككل.

ثم إن السياق الدولي والإقليمي يزيد من تعقيد المشهد.

فالتحديات الأمنية والهجرات والتقلبات الاقتصادية عوامل تضغط نحو مركزية القرار.

وهنا تتجلى ضرورة وجود جهاز إداري قادر على التحرك السريع والحاسم.

لكن في المقابل، ينبغي الحذر من اختزال اللامركزية في بعدها الشكلي.

فإفراغ التدبير الحر من محتواه قد يضعف الثقة في المؤسسات المنتخبة.

والمطلوب هو تكامل الأدوار لا تغليب طرف على آخر.

إن العلاقة بين المركز والجماعات علاقة دينامية بطبيعتها.

تتقوى فيها إحدى الكفتين بحسب الظرف والسياق.

وحين تتعثر التجربة المحلية، تميل الكفة نحو المركز.

وحين تتعزز الكفاءة المحلية، يتراجع التدخل المركزي تلقائياً.

من منظور العلوم السياسية، لا توجد لامركزية مطلقة.

كما لا توجد مركزية صرفة في الأنظمة المعاصرة.

بل نحن أمام أنماط هجينة تتشكل وفق توازنات دقيقة.

إن الرهان الحقيقي يكمن في بناء ثقافة مؤسساتية جديدة.

ثقافة تؤمن بأن الدولة إطار جامع لا خصم.

وأن المنتخب شريك في القرار لا تابع.

وأن الرقابة ضمانة لا عقاب.

وإذا كانت “العودة القوية” تعبيراً عن مرحلة إعادة ضبط،

فإنها يجب أن تُفهم في أفق تقوية الجماعات لا إضعافها.

فالغاية ليست إعادة إنتاج الوصاية،

بل تعزيز شروط الحكامة والنجاعة.

يبقى مستقبل التدبير الحر رهيناً بإصلاح الإدارة الترابية.

وبتأهيل المنتخبين وتكوينهم المستمر.

وبتوسيع استقلالية الموارد المالية للجماعات.

عندها فقط يمكن أن يتحول التوازن إلى شراكة حقيقية.

وتصبح العلاقة بين المركز والجهات علاقة تكامل استراتيجي.

فالدولة القوية لا تعني مركزاً متضخماً،

كما أن الجهة القوية لا تعني مركزاً ضعيفاً.

إنها معادلة دقيقة بين الوحدة والتنوع،

بين السلطة والمسؤولية،

وبين الحرية والانضباط القانوني.

وهكذا يظل التدبير الحر مبدأً مؤطراً،

لكنه مبدأ نسبي تحكمه ضرورات الدولة.

وفي هذا الأفق تتحدد ملامح المرحلة المقبلة:

مرحلة ترسيخ الجهوية في إطار دولة موحدة،

تُعيد ضبط الإيقاع كلما اختل الميزان،

وتفتح المجال للمبادرة المحلية كلما نضجت شروطها.