المثقف المغربي..فاعل أم مجرد شاهد زور؟

إذا ما تأملنا حالنا كمغاربة، نجد أن المشهد برمته في المغرب لا يُدار بالعقل بقدر ما تقوده إثارة رخيصة. صرنا نرى رجل دين يفتي بجرأة في قضايا علمية دقيقة، بالرغم من كمية أخطاء كبيرة ترى لمن يفقه أبجديات العلم، وصانع محتوى يتم استقباله في قنوات رسمية ليحلل السياسة والاقتصاد، ومؤثراً يقود نقاشاً وطنياً فقط لأنه يملك عدداً أكبر من المتابعين. اختلطت الأدوار، شوهت المعايير، وأصبح الصوت الأعلى هو الأكثر حضوراً، بدل الأكثر معرفة. في هذا المناخ الملوّث بالتفاهة وتضخيم الأشخاص في غير مواقعهم، تراجعت قيمة التخصص، وتحوّل كل نقاش بناء ومسؤول إلى عرض فرجوي أكثر منه نقاشاً لصناعة الوعي.
وفي المقابل، يغيب عنا ذاك الذي يفترض أن يكون في الواجهة: “المثقف”. ذاك الذي يُفترض أن يشتبك مع القضايا الكبرى، أن يشرح، يربط، ينبه ويزعج أحياناً. دوره ليس صناعة الإثارة، بل صناعة المعنى؛ ليس مراكمة المتابعين، بل صياغة المفاهيم وبناء الوعي. ومع ذلك، يبدو صوته خافتاً، أو مهمشاً. فكيف تحوّلنا إلى مجتمع يقدّم المؤثر على المفكر، ويمنح المنبر لمن يجيد الأداء لا لمن يجيد التحليل؟ وأين اختفى المثقف حين صار المجال العمومي في أمسّ الحاجة إلى صوت عاقل يضع الأشياء في مواضعها؟ هل انتقل المثقف من فاعل في صناعة الوعي إلى مجرد شاهد زور على القضايا؟
ولكي نفهم سبب هذا الغياب، يجب أولاً أن ننظر إلى الصورة التي يروجها الإعلام وأدوات الدعاية عن المثقف في الوعي الجمعي لدى العامة. غالباً ما يُصوَّر المثقف كشخص غريب عن الواقع، معتل اجتماعياً، غارق بين الكتب والأوراق، بملامح متعبة ولباس مهترئ، يعيش في عالمه الخاص بعيداً عن الناس، غير قادر على التواصل مع “الحياة الحقيقية”، وكأنه خارج الزمن. هذه الصورة تهدف إلى تبخيس دوره، تحويله إلى كاريكاتير، وتقليل شرعيته الرمزية، وكأن المعرفة لا تتوافق مع المظهر أو النشاط الاجتماعي. وبذلك، يُختزل المثقف في صورة شخص هامشي، غريب، وربما مثير للشفقة، بينما يتم تضخيم أصوات أخرى – أناس أقل معرفة وأكثر حضوراً – ليصبحوا المراجع في النقاش العمومي، حتى في القضايا التي تتطلب تفكيراً معمّقاً وتحليلاً عقلانياً.
ومن هنا، يصبح ضرورياً أن نفهم المثقف الحقيقي وفق ما قدّمه مفكرونا وفلاسفتنا. حين نحاول تعريفه حقاً، نجد أنفسنا أمام أكثر من تصور يكمل بعضه بعضاً. ففي كتاب رجل الكهف: حوار في ماهية المثقف يُقدَّم المثقف بوصفه ذاك الذي لا يكتفي بالمعرفة داخل “كهفه”، بل يخرج منها ليحتك بالواقع؛ فالعزلة الفكرية، مهما بدت عميقة، تظل ناقصة إن لم تتحول إلى وعي نقدي يشتبك مع قضايا الناس، ويحوّل القراءة إلى موقف. عند أنطونيو غرامشي، المثقف ليس كائناً معلقاً فوق المجتمع، بل “مثقف عضوي” مرتبط ببنيته الاجتماعية، يساهم في تشكيل وعيها ويخوض صراع المعنى داخلها، لا يراقب من بعيد بل ينخرط في إنتاج الأفكار التي تؤثر في الواقع. بينما جان بول سارتر يمنح المفهوم بعده الأخلاقي، حيث لا يكفي أن يفهم المثقف العالم، بل عليه أن يلتزم بقضاياه، وأن يتحمل مسؤولية كلمته، لأن الحياد في اللحظات الحاسمة ليس فضيلة بل هروب مقنّع. هكذا يتكامل التصور: المثقف هو من يمتلك معرفة نقدية، يخرج بها من عزلته، يرتبط عضوياً بمجتمعه، ويتخذ موقفاً أخلاقياً حين تستدعي اللحظة ذلك، دون أن يفقد استقلاله. فهو ليس مجرد حامل معرفة، بل ضميراً يقظاً، وصانع معنى، وصاحب جرأة في مجتمع يفضّل السلامة.
ومن هذا الفهم، ننتقل للسؤال الأهم: لماذا يصمت المثقف اليوم رغم الحاجة إلى صوته أكثر من أي وقت مضى؟
إن صمت المثقف حالياً لا يولد من فراغ، بل من تراكم أسباب واضحة، أولها كلفة الموقف في زمن لا يرحم. فالكلمة اليوم لا تُفهم في سياقها، بل تُقتطع منه؛ لا تُناقش كفكرة، بل تُختزل في نية صاحبها. يكفي أن يعبّر المثقف عن رأي معقد حتى يُتهم بالانحياز، أو يُجرّ إلى معركة جانبية لا علاقة لها بجوهر ما قال. أمام هذا المناخ، يصبح الخوف من التشويه ومن المحاكمة الرقمية سبباً كافياً للانكماش، فيفضّل البعض الصمت على الدخول في دوامة لا تنتهي. ثم يأتي سبب آخر مرتبط بالموقع والمؤسسة؛ فالمثقف الذي يشتغل داخل جامعة، مؤسسة رسمية، أو فضاء إعلامي لا يتحرك بحرية مطلقة، بل ضمن توازنات. هناك صورة المؤسسة، وهناك علاقات مهنية، وهناك حسابات مستقبلية. كل هذه العوامل تدفعه إلى تخفيف حدّة الخطاب، إلى استعمال لغة رمادية، وتجنب الصدام المباشر. ومع الوقت، يتحول هذا الحذر إلى عادة، ويصبح الصوت النقدي أقل إزعاجاً مما ينبغي. أما السبب الخفي الأهم، والذي لنا نصيب منه كمتلقين، فهو أزمة الجدوى؛ حين يشعر المثقف أن التحليل العميق لا يجد صدى، وأن النقاش العمومي تحكمه العاطفة السريعة أكثر من الحجة، يبدأ في التساؤل: لمن أكتب؟ ماذا أغير؟ حين يعلو الصراخ على التفكير، يبدو الصوت العاقل وكأنه ترف لا ينتبه إليه أحد. وهنا يتسلل مبرر أخير، يبدو موضوعياً لكنه أكثر خطراً: “الحياد”. يقال إن المثقف يصف ولا ينحاز، يشرح ولا يتدخل، لكن الحياد في القضايا الأخلاقية الكبرى قد يتحول إلى غطاء مريح لتفادي المسؤولية. وهكذا، لا يصبح المثقف شاهد زور لأنه غاب، بل لأنه بقي في موقع المتفرج الحذر: يرى، يفهم، يعلّق… لكنه لا يخاطر. وفي لحظة تحتاج إلى كلمة واضحة، يختار جملة آمنة. وهنا يدخل بناء الوعي إلى مرحلة الاحتضار.
إن حاجتنا للمثقف الحقيقي كبيرة، بقدر حاجتنا إلى أساسيات الحياة، فالمجتمع المتطور والسليم تقوده معرفة سليمة، يساهم في بناءها والتأثير بها صوت شخص مثقف، ولكي يعود هذا الصوت، علينا نحن أولاً أن نستعيد الجرأة لنقول ما يجب قوله، وأن نربط المعرفة بقضايا الناس بدل الانعزال، وأن نستثمر كل فضاء متاح – سواء منصات رقمية أو منابر عامة – لتوصيل الأفكار بوضوح وذكاء، وترتيب أولوياتنا في اختيار المأثرين علينا. فالمثقف الفعّال لا يكتفي بالتحليل، بل يشارك، يفسّر، يزعج حين يلزم، ويعيد ترتيب المعاني في المجتمع، ليصبح صوت العقل والمعرفة مرجعاً لا ترفاً بلا أثر.
المثقف لا يموت حين يصمت، بل حين يرضى العالم بأن يكون صمته مألوفاً. المعرفة تهدر إذا خفت الجرأة، والفكرة تذوب إذا غاب من يزعج ويرشد. والسؤال يبقى قائماً: هل سنسمح أن يظل صوت العقل غائباً، بينما يعلو صخب التفاهة؟ أم أننا سنستعيد المثقف، ضميراً يوقظنا، فاعلاً يزعج ويصحح، قبل أن يبتلعنا الضجيج؟


