افتتاحية

ميركاتو PPS

صار “الميركاتو” السياسي أشبه بسوق انتقالات بلا هوية، لكن حزب التقدم والاشتراكية يبقى واحداً من الأحزاب التي حافظت على قدرٍ معتبر من الاحترام والاتزان. حزبٌ يقوده صديقٌ محترم، هو محمد نبيل بنعبد الله، رجل خبر دهاليز السياسة ولم يفقد لغته الهادئة ولا قدرته على ترتيب البيت الداخلي كلما عصفت الرياح. وفي مكتبه السياسي أسماء مناضلة كثيرة، لا أريد أن أذكرها حتى لا أقع في سهوٍ يُسقط حق أحد، وما أكثرهم.

ليست المسألة مجاملةً ولا توزيع شهادات حسن السلوك، بل هي شهادة في حق حزبٍ يجيد التواصل مع الصحافة كما يجيد مخاطبة المواطنين. يعرف كيف يصوغ مواقفه بلغة واضحة، وكيف يدبّر اختلافه الداخلي دون أن يتحول إلى فرجةٍ عمومية. ولا تفوتني هنا كلمة حق في رئيس فريقه بمجلس النواب، رشيد الحموني، رجل بكاريزما خاصة، يجمع بين صلابة الموقف وهدوء العبارة، وبين الجرأة في الرقابة والقدرة على الترافع دون صراخ.

قبيل انتخابات 2026، بدأت أسماء سياسية تبحث عن أحزاب لم تفقد “عذريتها” بعد. التعبير قاسٍ، نعم، لكنه يختصر واقعاً يعرفه الجميع. هناك من استُهلك في السلطة حتى فقد بريقه، وهناك من احترق في تناقضاته، وهناك من صار مجرد لافتة بلا روح. بعضهم وجد في التقدم والاشتراكية فضاءً ما يزال يحتفظ بقدرٍ من العذرية السياسية المشرفة؛ حزب لم يُستنزف أخلاقياً، ولم يتحول إلى وكالة انتخابية موسمية، بل ظل يحتفظ بخيطٍ ناظم اسمه “الموقف”.

الحدث الأبرز في هذا “الميركاتو” هو بلا شك عبد الهادي خيرات. قبل شهرين تقريباً، تلقفت الخبر في أحد مقاهي عاصمة الشاوية، سطات، وكان من أجمل الأخبار التي سمعتها في سياقٍ سياسي جاف. خبر يثلج الصدر لأن الإقليم يحتاج نفساً جديداً، يحتاج برلمانيين حقيقيين، بعدما هيمن الأميون وأصحاب المصالح وتجار الصور على المشهد. إقليم مقاول ومناضل، لا يليق به إلا مرشحون من طينة النضال، وخيرات لا يزايد عليه أحد في تاريخه السياسي الطويل.

ليست المسألة انتقال اسمٍ من ضفة إلى أخرى، بل انتقال تجربة نضالية إلى فضاءٍ قادر على احتضانها. السياسة ليست فقط حسابات أرقام، بل أيضاً رصيد رمزي. وعبد الهادي خيرات يحمل هذا الرصيد، ويعرف جيداً معنى أن تكون نائباً باسم الناس لا باسم المصالح.

أعلم، كما يعلم كثيرون، أن لشباب الحزب دوراً كبيراً في هذا الانتقال الاحترافي. أعرفهم منذ أيام الحركة الطلابية، يوم كنا نقود معارك ضد الفساد في رحاب جامعة الحسن الأول. هناك تَشكّل الوعي، وهناك تعلّمنا أن السياسة موقف قبل أن تكون مقعداً. هؤلاء الشباب لم يكونوا يوماً مجرد ملصقات انتخابية، بل كانوا دوماً وقود الفكرة وحرّاس المعنى.

“ميركاتو PPS” ليس صفقة عابرة، بل مؤشر على أن الحزب يقرأ المرحلة جيداً. يعرف أن 2026 لن تكون انتخابات عادية، وأن الناخب المغربي صار أكثر صرامة في محاسبة الوجوه المستهلكة. لذلك يفتح أبوابه لمن يضيف قيمة، لا لمن يبحث عن مظلة مؤقتة.

في النهاية، السياسة أخلاق قبل أن تكون أرقاماً. وحين يحافظ حزب على حدٍّ أدنى من الاحترام في زمن الانفلات، يصبح دعمه واجباً أخلاقياً قبل أن يكون خياراً انتخابياً. التقدم والاشتراكية اليوم أمام فرصة تاريخية: إما أن يحسن استثمار هذا الميركاتو ليصنع كتلة برلمانية وازنة تعيد التوازن للنقاش العمومي، أو أن يكتفي بدور الشاهد على مرحلة تعيد إنتاج الرداءة.

الكرة الآن في ملعبه. لكن المؤشرات تقول إن في البيت ما يكفي من العقل، وما يكفي من النضال، ليُحسن اللعب حتى صافرة 2026.