بيئة وعلوم

تعيينات بجامعة سطات تعيد “تدوير الفشل” إلى الواجهة

أعلنت الحكومة مؤخرًا عن تعيين بوشعيب بنشرقي مديرًا لمعهد علوم الرياضة، وهو تعيين لم يمرّ مرور الكرام داخل الأوساط الجامعية، بل فجّر موجة واسعة من التساؤلات المشروعة حول معايير الاختيار، وحدود ربط المسؤولية بالمحاسبة، وجدّية الخطاب الرسمي الذي يرفع شعار الإصلاح وتخليق الحياة الجامعية. فالرجل، الذي يُقدَّم اليوم ككفاءة مؤهلة لتدبير مؤسسة جامعية، سبق أن أُلغيت مباراته في سياق سابق، كما لم ينجح في مباراة كلية العلوم والتقنيات رغم تصدره اللائحة، وهو معطى يثير، في حد ذاته، شبهة اختلال المساطر أو على الأقل غموضها، ويطرح سؤال الشفافية وتكافؤ الفرص.

الأخطر من ذلك، أن تجربة بوشعيب بنشرقي في تدبير مركز الدكتوراه تُسجَّل ضمن أكثر الفترات التي عرفت اختلالات بنيوية على مستوى الحكامة والتأطير البيداغوجي، حيث اشتكى طلبة وباحثون من ضعف التأطير، وتراكم الملفات، وغياب رؤية واضحة لتطوير البحث العلمي، ناهيك عن التوترات الإدارية التي وسمت تلك المرحلة. ورغم كل ذلك، لم تُفعَّل أي آلية للمساءلة أو التقييم الموضوعي، بل جرى القفز على هذا السجل الثقيل نحو منصب تدبيري أعلى، وكأن الفشل الإداري تحوّل من عائق إلى جواز مرور.

وفي الاتجاه ذاته، جاء تعيين جمال الزاهي عميدًا لكلية الاقتصاد للمرة الثانية على التوالي، رغم أن ولايته السابقة لم تُسفر عن أي تحول نوعي يُذكر، سواء على مستوى تحسين جودة التكوين، أو تعزيز البحث العلمي، أو توسيع إشعاع المؤسسة داخل محيطها الأكاديمي والاقتصادي. فإعادة تعيين المسؤول نفسه، دون تقديم حصيلة دقيقة، أو فتح نقاش عمومي حول أدائه، يكرّس منطق الاستمرارية الشكلية، ويُفرغ مبدأ التداول على المسؤوليات من مضمونه، ويبعث برسالة سلبية إلى الكفاءات الشابة التي تنتظر فرصًا حقيقية للانخراط في تدبير الشأن الجامعي.

هذه القرارات، مجتمعة، تعمّق الإحساس بأن جامعة الحسن الأول بسطات لم تنخرط بعد في منطق الإصلاح الحقيقي، بل ما تزال أسيرة شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية. إذ يبرز اسم عبد اللطيف مكرم كفاعل محوري في توجيه عدد من هذه التعيينات، وفق منطق القرب والولاء، وليس وفق معيار الكفاءة والتجربة الناجحة. وهو ما سبق أن تكرّس في محطات سابقة، من بينها ما وقع بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، حيث أُثيرت الانتقادات نفسها حول منطق التعيين الانتقائي وإقصاء الكفاءات غير المنخرطة في الدائرة الضيقة للقرار.

والمفارقة الصارخة أن كل هذا يجري في وقت تُكثر فيه الخطابات الرسمية من الحديث عن إصلاح منظومة التعليم العالي، وتحسين الحكامة الجامعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتشجيع الكفاءات. غير أن الواقع الملموس داخل جامعة الحسن الأول يُكذّب هذه الشعارات، ويُظهر فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة، حيث يُعاد إنتاج الأسماء نفسها، وتُدوَّر التجارب الفاشلة، دون أي اعتبار لنتائج التدبير أو لمصلحة الجامعة وطلبتها.

إن ما تعيشه جامعة الحسن الأول بسطات اليوم لا يمكن اختزاله في تعيينات معزولة، بل هو نمط تدبير متكامل يقوم على “إعادة تدوير الفشل”، وعلى تحصين مواقع المسؤولية ضد أي تقييم نقدي جدي. وهو وضع لا يضر فقط بصورة الجامعة، بل يُقوّض ثقة الطلبة والأساتذة في المؤسسة، ويُفرغ الجامعة من دورها الطبيعي كفضاء للتميز والاستحقاق وإنتاج النخب.

وأمام هذا الواقع، يصبح السؤال المركزي: إلى متى ستظل الجامعة رهينة حسابات ضيقة وشبكات نفوذ، بدل أن تكون رافعة حقيقية للتنمية والعدالة المعرفية؟ وأين هي آليات المراقبة والتقييم؟ وأين دور الوزارة الوصية في ضمان احترام معايير الشفافية والنزاهة؟ أسئلة تبقى مفتوحة، في انتظار إرادة حقيقية تقطع مع منطق إعادة تدوير الفشل، وتؤسس لجامعة تُكافئ النجاح لا تُجمّله.