مجتمع

وكالة خربوش والغباء التواصلي..باغين الإشهار “بيليكي”

في خطوة تثير السخرية أكثر مما تثير الاحترام، توصل موقع “زون24″ ببريد إلكتروني من مسؤولة تواصل داخل الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية، تطلب فيه من المؤسسات الإعلامية بثّ شريط إعلاني تلفزيوني يخص الحملة الوطنية لمكافحة الأمية، المنظمة ما بين 13 و27 أكتوبر 2025، بالمجان. الرسالة كانت مهذبة شكلاً، لكنها كاشفة لمستوى من الغباء التواصلي غير مسبوق، حين تتحول مؤسسة عمومية ممولة من المال العام، وتستفيد من دعم الاتحاد الأوروبي، إلى “متسولة” في حضرة الإعلام الوطني، تُطالب الصحافيين والمواقع والقنوات ببث موادها الترويجية دون أي مقابل، وكأنها تقدم منّةً أو خدمة جليلة للوطن.

في أبجديات الاتصال المؤسساتي، لا يُتصور أن توجه وكالة رسمية مراسلة لوسائل الإعلام لطلب نشر إعلانات ترويجية بشكل مجاني. فالإشهار له مساطره القانونية وميزانياته المحددة في كل مشروع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر ببرامج ممولة من الاتحاد الأوروبي، حيث تُرصد اعتمادات دقيقة للتواصل والإشهار والتوعية. لكن يبدو أن الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية في عهد عبد الودود خربوش لا تعترف بهذه القواعد، ولا تفهم شيئاً في ثقافة التعاقد ولا في أخلاقيات العلاقة مع الصحافة. إنها ببساطة تتعامل مع الإعلام بمنطق “ديرو لينا الخير”، وكأنها جمعية هاوية لا مؤسسة وطنية ذات طابع استراتيجي.

الرسالة التي وجهتها مسؤولة التواصل ليست حادثاً معزولاً، بل مرآة لوضعية تواصلية مضطربة داخل الوكالة. فبدل بناء شراكات واضحة مع وسائل الإعلام وتخصيص ميزانية مهنية لتغطية أنشطة التوعية، تُصرّ الوكالة على نهج أسلوب الارتجال والتسول المؤسسي، وهو ما يكشف غياب الرؤية واحتقاراً ضمنياً لقطاع الإعلام الوطني. كيف يُعقل أن تُنفق الوكالة ملايين الدراهم على الدراسات والاستشارات، ثم تعجز عن تخصيص بضعة آلاف من الدراهم لحملتها الإشهارية؟ أين هي الشفافية في تدبير موارد الاتحاد الأوروبي؟ وأين هي الكفاءة في تدبير التواصل مع الفاعلين الإعلاميين؟

منذ تولي عبد الودود خربوش إدارة الوكالة، لم تُسجل أي قفزة نوعية في محاربة الأمية، لا على مستوى البرامج ولا على مستوى التواصل. الرجل يبدو منشغلاً أكثر بالشكليات والظهور في الندوات، بينما تغرق الوكالة في البيروقراطية والعشوائية. ففي زمن أصبحت فيه الحملات التواصلية تقاس بالأثر والمردودية، ما تزال وكالة خربوش تعمل بعقلية التسعينات: بلاغات خشبية، شراكات غامضة، وتواصل عمومي يغيب عنه الإبداع والمهنية.

الوقاحة في المراسلة لم تكن في الصياغة، بل في الفكرة نفسها: أن تطلب من الإعلام أن يكون واجهة دعائية بالمجان لحملة تُمول أوروبياً. ذلك يُفقد الوكالة مصداقيتها، ويضع تساؤلات مشروعة حول طريقة تدبيرها لمواردها المالية. إنها ليست فقط سقطة تواصلية، بل فضيحة مؤسساتية تُبرز كيف يمكن للغباء الإداري أن يُفرغ أي مشروع نبيل من محتواه.

ما فعلته وكالة خربوش يختصر مأساة التواصل العمومي في المغرب: غياب التخطيط، احتقار الإعلام، وانعدام الحس المهني. لا يمكن محاربة الأمية بمنطق الأوامر، ولا يمكن بناء الثقة بالتسول الإعلامي. فحين تُصبح المؤسسات العمومية عاجزة عن فهم الدور الحيوي للصحافة، وتعتقد أن الإشهار يمكن أن يُمنح “بيليكي”، فذاك يعني أن الأمية الحقيقية ليست في المجتمع، بل داخل الوكالة نفسها.