مجتمع

باشا سطات..ضابط إيقاع

في مدينة سطات، التي تجمع بين عراقة التاريخ وروح التطلع إلى التحديث، برز اسم الباشا هشام بومهراز كأحد أبرز الوجوه الإدارية التي بصمت على حضور لافت في تدبير الشأن المحلي. فمنذ توليه مهامه على رأس باشوية سطات، أعاد الرجل ترتيب الإيقاع داخل المدينة، ليصبح بحق “ضابط الإيقاع” الذي يقود أوركسترا التغيير بهدوء وثقة ومسؤولية.

ما يميز بومهراز ليس فقط انضباطه الإداري أو كفاءته في تنفيذ التوجيهات، بل قدرته على تحويل تلك التوجيهات إلى فعل ميداني ملموس يراه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فحملته الصارمة والمنظمة لتحرير الملك العمومي لم تكن مجرد حملة موسمية أو استعراضاً إعلامياً، بل مشروعاً حضرياً متكاملاً لإعادة الجمالية إلى المدينة وإنعاش صورتها البصرية.

شوارع كانت تختنق بالفوضى والعشوائية عادت إلى الحياة. أرصفة كانت محتلة من قبل الباعة والمقاهي والعربات استعادت دورها الطبيعي كممرات للراجلين. فالمقاربة التي اعتمدها بومهراز في هذه الحملة جمعت بين الحزم في التنفيذ والمرونة في التعامل، وبين سلطة القانون وروح التواصل. لم يكن هدفه معاقبة الباعة أو التضييق على الناس، بل إعادة النظام والإنصاف في استعمال الفضاء العام، وإعطاء صورة حضارية لمدينة سطات تستحقها عن جدارة.

وراء هذه التحركات الميدانية، يختبئ تصور إداري متقدم يُدرك أن جمالية المدينة ليست مجرد واجهة عمرانية، بل هي أيضاً تعبير عن وعي جماعي وتناغم بين الساكنة والإدارة. لذلك، لم يتعامل الباشا مع ملف احتلال الملك العمومي بعقلية “السلطة الآمرة”، بل بعقلية الشريك الذي يسعى إلى إقناع المواطن قبل تطبيق القرار عليه. هذا ما جعل كثيرين يصفون بومهراز بأنه “باشا الحوار”، لأنه اختار أن يُقنع بدل أن يُخيف، وأن يُصلح بدل أن يُقصي.

لكنّ بصمته لم تتوقف عند المظهر الحضري، بل امتدت إلى المجال الاجتماعي والسياسي، خاصة خلال احتجاجات “جيل زاد” التي شهدتها البلاد مؤخراً. ففي وقت اختار فيه بعض رجال السلطة لغة الصمت أو المسافة الباردة، قرر هشام بومهراز أن ينزل إلى الميدان، يستمع إلى الشباب، يراقب نبض الشارع، ويترجم الحس الوطني في سلوك إداري متزن. كان يعرف أن تلك الاحتجاجات تعبّر عن جيل يبحث عن صوت وكرامة وفرص متكافئة، ولذلك اختار أسلوب الإنصات الهادئ، محاولاً أن يكون صلة وصل بين تطلعات المواطنين ومؤسسات الدولة.

لقد أدرك أن التعامل الذكي مع مثل هذه اللحظات الحساسة لا يكون عبر المقاربة الأمنية الضيقة، بل عبر مقاربة إنسانية تستمع وتحاور وتحترم الاختلاف. فذلك الحس الميداني الذي أظهره بومهراز جسّد صورة جديدة للسلطة المحلية: سلطة متوازنة، قريبة من الناس، تعرف متى تكون حازمة ومتى تكون حنونة. وهي الصورة التي افتقدها المغاربة طويلاً في إدارتهم الترابية.

ويشهد كثير من الفاعلين المحليين والجمعويين بأن الباشا بومهراز لا يكتفي بالإشراف على الملفات من مكتبه، بل يشارك بنفسه في متابعة أدق تفاصيلها. يتنقل بين الأحياء، يزور الأسواق، يلتقي الجمعيات والمهنيين، ويتفاعل مع الملاحظات الميدانية. هذه الدينامية جعلته يحظى باحترام واسع داخل سطات، حتى من طرف من يختلفون معه في الرأي. فقد رأوا فيه مسؤولاً لا يتعالى على الناس، بل يعتبرهم شركاء في تحسين مدينتهم.

وإلى جانب دوره في ضبط النظام وإعادة النظام إلى الفضاء العام، ساهم الباشا في إنعاش الحياة المدنية من خلال دعمه للأنشطة الثقافية والرياضية والاجتماعية، وإشراك المجتمع المدني في بعض المبادرات التي تهدف إلى تجميل المدينة وتعزيز حس الانتماء إليها. فحضور الدولة بالنسبة له لا يجب أن يُختزل في المراقبة أو الزجر، بل في التحفيز والتأطير والمواكبة.

اليوم، حين يتجول الزائر في شوارع سطات، يلاحظ الفرق. النظام والنظافة والترتيب لم يأتوا صدفة، بل كانوا ثمرة جهد إداري يومي، قائم على رؤية تُدرك أن المدينة الجميلة ليست فقط تلك التي تتزين بالإنارة والأشجار، بل تلك التي يسود فيها احترام القانون وتناغم الحياة العامة. وبذلك، تحولت سطات إلى نموذج محلي في كيفية إعادة الثقة بين المواطن والإدارة، وهو أمر نادر في زمن تتزايد فيه الفجوة بين الطرفين.

باشا سطات، هشام بومهراز، لم يبحث عن الأضواء، ولم يجعل من نفسه بطلاً إعلامياً، لكنه أثبت أن المسؤول الإداري يمكن أن يكون فعّالاً من دون ضجيج، وقريباً من الناس من دون شعبوية. لقد تعامل مع مدينته كما يتعامل المايسترو مع فرقته الموسيقية، يضبط الإيقاع حين يعلو، ويرفع النغمة حين يخفت الصوت، حتى تصدر المدينة لحناً متناغماً من الجمال والنظام والاحترام.

وفي النهاية، يمكن القول إن تجربة بومهراز في سطات ليست مجرد تجربة محلية عابرة، بل نموذج لسلطة جديدة في المغرب، سلطة تتحدث بلغة الميدان لا البلاغات، وتُدير الملفات بعين القانون وقلب الإنسان. إنها صورة باشا في زمن جديد، ضابط للإيقاع قبل أن يكون ضابطاً للنظام، وفاعل يؤمن بأن إصلاح المدن يبدأ من احترام الناس.