أكديطال..فطريات القطاع الصحي التي ذبلت تحت ضغط جيل “زيد”

لم تمرّ احتجاجات جيل “زيد” ضد تردي أوضاع القطاع الصحي دون أن تترك أثرها الواضح في قلب السوق المالية المغربية، حيث شهدت أسهم مجموعة “أكديطال” في بورصة الدار البيضاء تراجعا لافتا، بعد سنوات من الصعود السريع الذي أثار الكثير من التساؤلات.
فالمجموعة التي دخلت البورصة بقيمة اكتتاب لم تتجاوز 300 درهم للسهم، بلغت في ذروة انتعاشها نحو 1300 درهم، قبل أن تبدأ رحلة الهبوط التي تعكس أزمة ثقة تتجاوز الأرقام والمؤشرات.
الواقع أن “أكديطال”، التي تقدم نفسها باعتبارها نموذجا للنجاح والاستثمار في مجال الصحة، أصبحت في نظر جزء واسع من الرأي العام رمزا لتغلغل منطق الربح داخل ما كان يفترض أن يكون قطاعا ذا بعد اجتماعي وإنساني.
فكلما أُغلق قسم في مستشفى عمومي أو تم تقليص ميزانية التجهيز في مؤسسة صحية عمومية، ظهرت مصحة جديدة تابعة للشركة نفسها في مدينة أخرى، في مشهد يجعل من “الاستثمار” ذريعة لتسليع العلاج وتهميش الحق في الصحة.
احتجاجات جيل “زيد”، بما حملته من شعارات تدين “خصخصة الحياة” و”التمييز في العلاج”، لم تكن سوى تعبير عن وعي جديد يرفض تحويل المرض إلى سلعة، ويرى في انتشار مصحات “أكديطال” ليس توسعا طبيعيا للسوق، بل تجسيدا لاختلالات بنيوية في السياسات العمومية الصحية. فبينما تئنّ المستشفيات العمومية من نقص التجهيز والأطر، تتوسع “أكديطال” بتمويلات ضخمة وتغطية إعلامية موجهة، وكأننا أمام قطاعين يسيران في اتجاهين متعاكسين: عمومي يحتضر، وخاصّ يزدهر على أنقاضه.
اليوم، لا يمكن قراءة انهيار أسهم “أكديطال” إلا بوصفه إشارة رمزية إلى اهتزاز النموذج الذي تم تسويقه تحت لافتة “الإصلاح عبر الاستثمار”، وهو في الجوهر تفويض غير معلن لصحة المواطنين إلى رأس المال. فالغضب الشعبي لم يكن مجرد احتجاج عابر، بل تعبيرا عن وعي جمعي بدأ يدرك أن خصخصة الصحة ليست حلا، بل جزء من الأزمة نفسها.
لقد كانت “أكديطال” تبدو كإمبراطورية مالية لا تهزّها العواصف، لكنها لم تصمد أمام موجة من الأسئلة الأخلاقية والسياسية التي فجّرها جيل جديد، جيل يرفض أن يُعامل كمستهلك في قطاع يفترض أن يراعي الكرامة قبل الفاتورة.
وحسب مراقبين للشأن الصحي، فإن تراجع أسهم “أكديطال” إذن ليس مجرد خسارة مالية، بل إنذار رمزي لمنظومة بأكملها. فحين يتحول العلاج إلى صفقة، والحق في الصحة إلى امتياز، يصبح الانهيار مسألة وقت لا أكثر.


