المذكرة التوجيهية لمشروع قانون المالية لسنة 2026 بين الاستدامة الماكرو اقتصادية والعدالة الاجتماعية

تشكل المذكرة التوجيهية لمشروع قانون المالية لسنة 2026 محطة مفصلية في مسار الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي انخرط فيها المغرب خلال العقدين الأخيرين. إذ لم تعد وثائق الإعداد للميزانية مجرد أدوات تقنية لإدارة النفقات والإيرادات العمومية، بل تحولت إلى وثائق استراتيجية تؤطر السياسات العمومية وتحدد توجهات الدولة على المديين المتوسط والبعيد.
– الإطار المرجعي للمذكرة التوجيهية
صدرت المذكرة التوجيهية في سياق مزدوج: داخلي، يتسم بتسريع تنزيل ورش الدولة الاجتماعية، وتفعيل تعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، وتوسيع قاعدة الطبقة المتوسطة؛ وخارجي، يتسم بتقلبات اقتصادية عالمية، وضغوطات جيوسياسية، وتغيرات مناخية أثرت بحدة على الموارد الطبيعية، ولا سيما الماء.
وقد جاء هذا التوجيه استجابة للتعليمات الملكية التي أكدت على ضرورة جعل قانون المالية أداة لتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية وتعزيز مكانة المغرب كفاعل اقتصادي إقليمي.
– الأولويات الاستراتيجية
تقوم المذكرة على أربع أولويات كبرى:
1. تثبيت موقع المملكة كقوة إقليمية صاعدة، من خلال دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتوسيع اندماجه في سلاسل القيمة العالمية.
2. تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، عبر مشاريع تنموية مدمجة تستهدف التشغيل والخدمات الأساسية.
3. تسريع الإصلاحات الهيكلية وتعزيز أسس الدولة الاجتماعية، خاصة في مجالات الصحة، التعليم، والسكن.
4. ضمان استدامة التوازنات الماكرو-اقتصادية، بما يشمل التحكم في عجز الميزانية والمديونية العمومية.
– الأبعاد الاقتصادية والمالية
على المستوى الكمي، حددت المذكرة أهدافا طموحة:
_ بلغت نسبة نمو في حدود 4.5%،
_ خفض عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام،
_ تقليص المديونية إلى 65.8% مع نهاية 2026.
تعتبر هذه المؤشرات تعبيرا عن محاولة الموازنة بين مطلبين متناقضين تمويل الاستثمارات الكبرى ذات الأثر الاجتماعي والمجالي، والحفاظ على استدامة المالية العمومية.
– الأبعاد الاجتماعية والتنموية
خصصت المذكرة مكانة مركزية للبعد الاجتماعي عبر:
_ تعميم آليات الدعم المباشر للأسر،
_ توسيع التغطية الصحية الشاملة،
_ تحسين القدرة الشرائية،
_ تيسير الولوج إلى السكن اللائق،
_ حماية الموارد المائية عبر مشاريع التحلية وربط الأحواض.
كما ربطت المذكرة هذه الأهداف بتحقيق العدالة المجالية من خلال تأهيل البنيات التحتية وتطوير الجهوية المتقدمة.
– الإصلاحات المؤسساتية والإدارية
أكدت المذكرة على ضرورة إصلاح الإدارة العمومية بما يعزز فعاليتها ونجاعتها. ومن أبرز محاور هذا الإصلاح:
_ تسريع الرقمنة وتبسيط المساطر،
_ تعزيز الشفافية والحكامة،
_ تمكين المواطن من خدمات قريبة وعادلة،
_ تطوير التخطيط المالي متعدد السنوات عبر إصلاح القانون التنظيمي لقانون المالية.
يمكن القول إن المذكرة التوجيهية لمشروع قانون المالية لسنة 2026 تعكس تحولا في فلسفة إعداد الميزانية، من مقاربة سنوية ضيقة إلى رؤية استراتيجية متكاملة. فهي تجمع بين هاجس الاستقرار الماكرو-اقتصادي ومطلب العدالة الاجتماعية والمجالية، كما تؤسس لمرحلة جديدة تعطي للدولة موقع الفاعل المركزي في قيادة التنمية. غير أن نجاح هذه الرؤية سيظل رهينا بقدرة الفاعلين العموميين على تفعيلها ميدانيا، ومواجهة التحديات المرتبطة بالتمويل، البيروقراطية، والتقلبات الدولية.


