المغرب

“الصباحْ” تفضحُ حجاوي..محتالٌ مطارٌ بأوربا

نقرأ لكم من الغراء جريدة “الصباح” في عدد الاثنين، القصة الكاملة لحجاوي المحتال المطارد بأوربا.

ملف جنائي عابر للقارات والمتهم متورط في النصب على رجال أعمال وتزوير الوثائق

برز اسم مهدي حجاوي وسط موجة متصاعدة من قضايا النصب والاحتيال التي شهدها المغرب في السنوات الأخيرة، باعتباره أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل والغموض. فبعيداً عن صورته التي يحاول تسويقها بعد فراره من المغرب، تكشف الوقائع والشهادات أن حجاوي شكّل على مدى سنوات محور شبكة معقدة من الاحتيال والارتباطات المشبوهة امتدت آثارها لتطال ضحايا في الداخل والخارج.

الأخطر أن تحركاته لم تكن دائماً فردية؛ فباستثناء المساعدين الذين تكشف معطيات “الصباح” أنهم يسهلون له تحصيل التحويلات المالية أو ترتيب اللقاءات في أوربا، تبرز مؤشرات قوية على علاقات غامضة بحلقات في الخارج، ما جعل البعض يتحدث عن احتمال تورط أجهزة خارجية أو شبكات دولية في تحصينه وتوجيهه لأهداف قد تتجاوز النصب إلى ما هو أخطر، كاستهداف أمن المغرب، ما يثير تساؤلات عميقة حول الغاية من تحركاته المتعددة في أوربا.

ما يجعل قضية حجاوي غير عادية لا يكمن فقط في حجم الأموال التي يشتبه في استيلائه عليها، والتي قدرت بملايين الدراهم، بل في الطريقة المنهجية التي اعتمدها في بناء شبكة من الثقة الزائفة مع شخصيات في أوربا تجمعها “محاولة ابتزاز المغرب”، من فنانين وصحافيين، ورجال أعمال، مستغلاً الشبكة التي تحيط به وعلاقاته الخارجية، بما في ذلك ارتباطاته المحتملة بجهات تحميه أو تستثمر حقدهم على المغرب.

علماً أنه ليس مجرد نصاب تقليدي، بل اشتغل بذكاء على تسويق نفسه بالمزج بين “البريستيج” الاجتماعي وادعاء أنه مسؤول أمني كبير.

مذكرة اعتقال دولية

لم يكن اسم حجاوي متداولاً على نطاق واسع داخل المغرب أو خارجه إلى حدود 2024، حين أصدرت السلطات المغربية مذكرة اعتقال دولية في حقه، تتضمن لائحة ثقيلة من التهم، تتراوح بين النصب والاحتيال والتزوير، وتكوين عصابة إجرامية، وغسل الأموال، واستعمال جوازات سفر مزورة، وانتحال صفة موظف سام في أجهزة الدولة.

إلا أن هذه اللائحة لا تعكس سوى قمة جبل الجليد في قضية معقدة ومتعددة الوجوه كشفت عن نشاط احتيالي امتد سنوات طويلة، واتخذ أشكالاً متطورة للإيقاع بالضحايا داخل المغرب وخارجه.

حسب المعطيات المتوفرة، فقد كان حجاوي موظفاً عادياً في المديرية العامة للدراسات والمستندات، إذ لم يكن يتقلد أي منصب قيادي أو استراتيجي، بل كان يكلف بمهام تنفيذية عادية، إلى أن تم إعفاؤه من مهامه في 2010، في ظروف توصف بأنها مرتبطة بـ “تجاوزات جسيمة”، وسلوك غير منسجم مع أخلاقيات المؤسسة. حينها فتح الباب أمامه للخروج، فقرر أن يغلقه على ماضيه ويبدأ حياة جديدة، ليس بالاجتهاد أو إعادة البناء، بل بالاحتيال وتزوير الهويات والصفات.

الهارب من ماضيه ببطولات وهمية

في كتابه المفتوح على كل الأوهام، يقدم مهدي حجاوي نفسه مزيجاً من العميل السري والمعارض السياسي ورجل الأعمال النافذ، والمستشار في آن واحد. لكنه في الواقع، ليس سوى شخص تائه في غابة الأكاذيب التي نسجها حول ذاته، يبحث عن مأوى في عواصم لا تمنح الحماية دون مقابل ولا تصدق الحكايات دون وثائق.

بدأ رحلته في باريس، ومن هناك بدأ يختلق لنفسه سيناريوهات هروب، يراها أقرب إلى أفلام التجسس الرديئة، إذ يظن أن النادل في المقهى عميل مزدوج، وأن الشرطي في الزاوية يلاحقه، وأن فندقاً يضج بالكاميرات المخفية… وهكذا استمر في تمثيل رواية لم يطلب منه أحد أن يؤديها.

لكن سرعان ما بدأت تتساقط أوراق الوهم، ففي اليوم الذي خرج فيه الإعلام بمقال بعنوان “مهدي حجاوي: النصاب المرضي خلف قناع العميل النخبوي”، تم فيه تفنيد كل ادعاءاته، مدعوماً بمعطيات رسمية وشهادات ضحايا وتحقيقات مالية موثقة.

فاعل في شبكة إجرامية

فالمقال أشار بوضوح إلى أن حجاوي هو فاعل في شبكة إجرامية متعددة الجنسيات، تورط في قضايا نصب، وتزوير وتبييض أموال، وانتحال صفات، وبيع مشاريع وهمية، واستثمارات غير موجودة.

ومن بين أبرز القضايا المسجلة ضده، ثلاث شكايات لرجال أعمال مغاربة سلموه ما مجموعه 700 مليون سنتيم مقابل وعود بالحصول على الجنسية الفرنسية، ومواعيد مفترضة مع شخصيات سامية مغربية في باريس، وطبعا لم تتحقق الوعود، ولم تسترجع الأموال.

المثير أن هذه الخلفية هي ما وظفها لاحقاً ليبني حول نفسه هالة من النفوذ المزعوم. ويظهر جلياً أن حجاوي يحاول تقديم نفسه ورقة قابلة للتفاوض في أيدي أطراف خارجية، تارة باعتباره “خازن الأسرار”، وتارة أخرى ضحية مفترضة لتصفيات داخل أجهزة الدولة، وهي سرديات تتجاهل أن الأمر لا يتعلق بخلافات داخلية، ولا بملف سياسي، بل بمسار احتيالي موثق بالأدلة والشهادات الرسمية.

علاقات خارجية بين الزيف والتوظيف الدعائي

تتجاوز قصة حجاوي حدود جريمة النصب، لتصبح مرآة يتقاطع فيها الاحتيال، وسذاجة الطموح، واستهداف المغرب. فالمفارقة أن حجاوي، في خضم كل ذلك، ظل يقدم نفسه في بعض المنابر الأجنبية منفياً سياسياً، في محاولة فاشلة لتأثيث صورة ضحية، بينما الوقائع تفضح العكس.

وتشير عدة معطيات إلى علاقة وثيقة ربطت حجاوي بأحد الفارين من العدالة المغربية، الذي سبق أن أثير اسمه في ملفات تبييض أموال ونصب على مستثمرين، مشيرة إلى أن شريك حجاوي كان يسوق له باعتباره مستشاراً نافذاً، مما أتاح له فرصاً ذهبية للإيقاع بمستثمرين جدد، عبر عروض مزيفة لمشاريع عقارية ضخمة.

وهم السلطة وتبييض الأموال

لم تتوقف العمليات عند مستوى النصب التقليدي، بل شملت أيضاً تهريب أفراد عبر تقديم وعود بهجرة قانونية وتسهيل الحصول على إقامة أوربية أو جنسية أجنبية مقابل مبالغ مالية. وهي العمليات التي تتم تحت غطاء علاقات نافذة ومعارف عليا، ما جعل الضحايا يترددون في التبليغ خوفاً من الانتقام أو السخرية من “سذاجتهم”.

ومن بين المحطات المثيرة في قضيته، تلك المتعلقة بالصورة المتداولة له وهو يرتدي بذلة أمنية مغربية، ناهيك عن أن حجاوي يظهر فيها بلحية غير معتادة في الصور الرسمية، مما يضفي على المشهد كله طابعاً من التهريج البصري المقصود.

وفي عالم الجريمة، ما من بطل لا تسقط بطولته بالتقادم.