محترفو “المونطاج” في محاولة لتوريط رئيس الحكومة..هل هدَّد أخنوش الدولة؟

السياسة، حين تُفهم بمعناها النبيل، يجب أن تُمارَس بأخلاق، لا بمقصّات التوضيب. ذلك أن الممارسة السياسية الناضجة، تقوم على التنافس الشريف، لا على التزييف الرخيص، وعلى الاقناع لا على الإخراج المفبرك. لكن، على ما يبدو، هناك من لا يزال يعتقد أن الطريق إلى هزم الخصوم تمرّ عبر أبواب الكذب والتلفيق وتقطيع الفيديوهات.
هذا بالضبط ما تعرض له رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، الذي وجد نفسه، مجدداً، أمام حملة شرسة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما جرى ترويج مقطع مصوَّر مُجتزَأ من سياقه، يوحي بأنه يتحدث بمنطق “التهديد للدولة”، لا بمنطق المسؤول السياسي.
مقطع الفيديو المُتداوَل لم يكن سوى جزءاً مبتوراً من تصريح أخنوش، قيل فيه ما لم يُقَل، وتم تصوير الرجل وكأنه يُعلن أن المغرب سيوقف الاستثمارات إذا مُنع أصدقاؤه من رجال الأعمال من ولوج السوق. هذه الصياغة المونطاجية الماكرة لم تكن إلا محاولة لتوجيه الرأي العام نحو قراءة مغلوطة ومتحاملة.
لكن الحقيقة، كما تظهر في المقطع الكامل، أن رئيس الحكومة كان يتحدث عن واقع الاستثمار في المغرب، وعن حرية المبادرة كمبدأ دستوري مكفول للجميع، دون تمييز بسبب الانتماء أو القرب من هذا السياسي أو ذاك. قال أخنوش بوضوح:
“ما يمكنش تمنع رجال أعمال من الاستثمار غير حيت عندو بهم صلة، لأنه كيعرف ثلثي رجال الأعمال فالمغرب، وإلا غادي يوقف الاستثمار!”
وفي هذه الجملة بالذات لا تهديد ولا ابتزاز، بل تساؤل مشروع عن المنطق الذي قد يحاكم الاستثمار بعلاقات الأشخاص، لا بجودة المشاريع.
وفي تتمة مداخلته، شدد رئيس الحكومة على أن قرب بعض المستثمرين من دوائر القرار لا ينبغي أن يكون مدخلاً للتمييز أو الإقصاء، بل بالعكس، المطلوب هو ضمان تكافؤ الفرص، وتحصين حرية الاستثمار كما يقرّها الدستور، لا تعطيلها لأسباب سياسوية.
هذه ليست المرة الأولى التي يُواجَه فيها أخنوش بهذا النوع من الحملات الممنهجة. قبل انتخابات 2021، تم اجتزاء كلام له خلال ندوة في ميلانو، وتم تحريفه ليتحول إلى تصريح مزعوم بـ”تربية المغاربة”. بينما الحقيقة، كما يعلمها كل من راجع التسجيل كاملاً، أنه كان يتحدث عن انفصاليين قاموا بإهانة العلم الوطني، رمز السيادة والوحدة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الحرب الشعواء، تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار نتائج الانتخابات، وهو ما يطرح سؤالاً بديهياً:
هل يُعقَل أن يهدد رجل سياسة شعباً بأكمله بإعادة التربية، ثم يفوز بثقة ذلك الشعب بعد أسابيع؟
السياسة لا تعني فقط المعارضة والانتقاد، بل تعني قبل ذلك احترام ذكاء الناس، وصيانة أخلاقيات النقاش العمومي. من حق الفرقاء السياسيين أن يتصارعوا في البرامج، أن يواجهوا بعضهم في الرؤى، أن يتبادلوا النقد وحتى التجريح ضمن حدود القانون.
لكن ليس من حق أحد أن يشوّه الحقيقة، أو أن يقتطع الكلمات من سياقها ليُخرج منها ما يُشبه الخيانة أو التهديد أو التسلط. لأن هذا الأسلوب، في نهاية المطاف، لا يضر فقط بأخنوش، بل يُلحق الأذى بصورة السياسة نفسها، ويُفرغ النقاش العمومي من معناه.
لقد آن الأوان أن نُدرك جميعاً أن المونطاج لا يُصنع به المستقبل، وأن الاختلاف، مهما بلغ حدته، يجب أن لا يُنسينا أن المغرب أكبر من جميع الفرقاء، وأن المؤسسات أسمى من أن تُستعمل وقوداً لحروب افتراضية لا تُنتج إلا الضجيج.
وختاماً، على الذين امتهنوا “الصيد في الماء العكر” أن يتقوا الله في هذا الوطن، وأن يتبيّنوا قبل أن يندموا… لأن الحقيقة، مهما طال اجتزاؤها، ستظهر كاملة يوماً، وسينكشف من كان يصطنع الغبار لإخفاء ضوء الشمس.


