سياسة

عبد الصمد قيوح..ضعف سياسي وإساءة للمملكة ولحزب عريق

في مشهد يثير الكثير من التساؤلات، أقدم عبد الصمد قيوح، الوزير المنتدب المكلف بالنقل، على التقاط صورة “سيلفي” مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلال مشاركته على رأس وفد حكومي مغربي في مؤتمر دولي. تصرفٌ بدا للكثيرين خارج السياق، لا يليق بمسؤول يمثل المملكة المغربية في مهمة دبلوماسية رسمية، ويكشف عن ضعف في التقدير السياسي وغياب الوعي البروتوكولي.

لم يكن قيوح في زيارة شخصية أو عطلة سياحية حتى يُبرر له هذا التصرف العفوي، بل كان في مهمة رسمية تمثّل الدولة المغربية في محفل دولي. ومثل هذه المهمات تحكمها قواعد صارمة من البروتوكول والمسؤولية. فما قام به لا يُمكن أن يُفهم إلا كتجاوز للحدود المهنية، وعبث بصورة الدولة وهيبتها في الخارج.

المملكة المغربية، صاحبة التاريخ الدبلوماسي العريق، ما فتئت ترسّخ لنفسها موقعاً ثابتاً بين الدول، عبر سياسة خارجية متوازنة ومبنية على الاحترام المتبادل. غير أن تصرفاً من هذا النوع يعيدنا خطوات إلى الوراء، ويسيء إلى صورة المغرب أكثر مما يخدمها. فالتقاط صورة شخصية مع رئيس دولة، من دون إذن أو ترتيب رسمي، يضرب في العمق فكرة الاحترام المتبادل، ويحول اللقاءات الدبلوماسية إلى مناسبات استعراضية غير محسوبة.

الخطورة لا تقف عند هذا الحد، بل إن ما قام به الوزير يحمل في طياته إساءة لحزب الاستقلال، الذي ينتمي إليه. فهذا الحزب، الذي لعب أدواراً مفصلية في تاريخ المغرب، وساهم في بناء الدولة، لا يمكن أن تُختزل قيمه وتاريخه في سلوك طائش لا يليق بأبسط قواعد العمل السياسي، ناهيك عن مستوى التمثيل الحكومي. حزب الاستقلال الذي أنجب رجال دولة من حجم علال الفاسي وامحمد بوستة، لا يستحق أن يمثل بهذه الطريقة السطحية التي تفتقر إلى الرصانة.

إن ما حدث يعيد طرح السؤال المحوري حول معايير اختيار وتعيين الوزراء في المغرب. هل يمتلك جميعهم فعلاً الكفاءة السياسية والوعي المؤسساتي اللازمين؟ أم أن بعض الحقائب تُوزّع بمنطق الترضيات الحزبية لا غير؟ ما قام به قيوح يعكس نقصاً فادحاً في التأهيل السياسي، وافتقاداً للتكوين الدبلوماسي الذي يجب أن يتوفر في كل مسؤول يمثل المملكة خارج حدودها.

الرأي العام الوطني، الذي تابع هذه الواقعة بدهشة، ينتظر اليوم موقفاً واضحاً من الجهات العليا. لا يكفي الصمت، ولا تنفع التبريرات. ما حدث يقتضي مساءلة حقيقية، وموقفاً يُعيد الاعتبار لصورة المغرب، ويؤكد أن التمثيل الدبلوماسي ليس فسحة للصور التذكارية، بل مهمة وطنية تقتضي قدراً عالياً من المسؤولية والانضباط.

حين يتحول تمثيل المغرب في الخارج إلى فرصة لالتقاط صور مع الزعماء، بلا سياق أو مضمون، فذلك يعني أن بعض المسؤولين لم يفهموا بعد الفرق بين التمثيل الرسمي والوجود العرضي. وإن لم يتم تدارك هذه السلوكيات، فإنها قد تفتح الباب مستقبلاً لمزيد من الممارسات المسيئة، التي لا تليق بدولة تحرص على صورتها ومكانتها.

الخطأ الذي ارتكبه قيوح ليس فردياً فقط، بل هو تجلٍ لخلل بنيوي في فهم بعض السياسيين لطبيعة المسؤولية العمومية. ومثل هذا الخلل لا يُمكن السكوت عنه أو تجاوزه بالصمت، لأن الأمر يتعلق بكرامة مؤسسات الدولة وهيبتها في الخارج. وعليه، فإن أقل ما يمكن فعله هو تقديم توضيح رسمي من الجهات المعنية، بل ومساءلة الوزير عن خلفيات ودواعي هذا السلوك.

لقد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة تعيين المسؤولين، وفي معايير الكفاءة المطلوبة لتمثيل المغرب. فصورة الدولة ليست قابلة للمقامرة أو العبث، ومن يجهل البروتوكول الدولي أو لا يحترمه، لا يحق له تمثيل شعب بأكمله.