سياسة

السغروشني..فشلٌ كبيرٌ

كشفت سلسلة من الهجمات السبرانية التي استهدفت مؤسسات عمومية بالمغرب، وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، عن هشاشة صادمة في المنظومة الرقمية التي طالما تغنت بها وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تحت إشراف الوزيرة أمل الفلاح السغروشني. هذه الهشاشة لم تعد مجرد احتمال نظري تلوّح به التقارير التقنية أو ملاحظات الخبراء، بل أصبحت حقيقة واقعية تعرّض ملايين المغاربة لمخاطر حقيقية بعد تسرب معطياتهم الشخصية الحساسة إلى الفضاء السيبراني.

منذ أسابيع، توالت الأخبار حول اختراق قاعدة بيانات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما أدى إلى تسرب معطيات أكثر من مليونين من المؤمنين، تشمل أسماءهم الكاملة، أرقام بطاقاتهم الوطنية، معلوماتهم البنكية، بل حتى تفاصيل حساسة تتعلق بأوضاعهم المهنية والاجتماعية. وما زاد من خطورة الوضع أن هذه المعطيات وجدت طريقها إلى منصات مشبوهة في شبكات “الدارك ويب” وتطبيقات مثل تيليغرام، حيث عرضت للبيع لمن يدفع أكثر.

ما حدث فضح ضعفاً مقلقاً في منظومة الحماية السيبرانية للمؤسسات العمومية التي ظلت طيلة السنوات الأخيرة موضوع تصريحات مطمئنة من قبل الوزارة المعنية. الوزيرة التي لطالما قدّمت مشاريع الرقمنة بوصفها رافعة للثقة بين الإدارة والمواطن، تجد نفسها اليوم في قلب عاصفة فقدان الثقة، بعدما بات المواطن يشكك في قدرة الدولة على حماية معطياته، بل وأمنه الرقمي بشكل عام.

مصادر متطابقة أكدت أن الثغرات التي استغلها القراصنة معروفة في أوساط الخبراء منذ أشهر، وأن عدداً من المؤسسات الدولية كانت قد نبهت إلى خطورة استمرار العمل ببرمجيات قديمة ومعرضة للاختراق، غير أن الوزارة اكتفت حسب ذات المصادر بتقديم مخططات عمومية إنشائية، تفتقر للتنفيذ الصارم، وتعتمد على حلول ترقيعية بدل إعادة هيكلة شاملة لأنظمة الحماية.

في غياب استراتيجية دقيقة تقوم على مبدأ “عدم الثقة المطلق” (Zero Trust) الذي أصبح معياراً دولياً لحماية المعطيات، ومع استمرار نقص الكفاءات التقنية المؤهلة داخل المؤسسات العمومية، بدا أن رهانات الخطاب الرسمي حول “المغرب الرقمي” مجرد شعارات استهلاكية، سرعان ما اصطدمت بواقع الفشل في صد هجوم واحد استهدف مؤسسة حيوية.

المثير أن الوزارة، تعاملت مع الحادث بحذر مبالغ فيه على مستوى التواصل مع الرأي العام. فباستثناء بلاغ مقتضب للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي يتحدث عن “تفعيل الإجراءات الأمنية اللازمة وفتح تحقيق داخلي”، لم يتم إبلاغ المواطنين المتضررين بما يتعين عليهم فعله لتفادي أي استغلال لمعطياتهم الشخصية. هذا الصمت الرسمي زاد من حالة القلق، وفتح الباب أمام حملات تشكيك واسعة في جدية الإصلاح الرقمي الموعود.

ردود الفعل لم تتوقف عند حدود المواطنين، بل امتدت إلى النقابات العمالية والهيئات الحقوقية التي طالبت بفتح تحقيق مستقل وشفاف في الفضيحة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بدءاً من الجهات الحكومية الوصية، وعلى رأسها وزيرة الانتقال الرقمي، التي باتت محاصرة بأسئلة تتعلق بكفاءة مخططاتها، ومدى نجاعة الاستثمارات التي أنفقت في هذا المجال خلال ولايتها.

في خلفية هذا الفشل، تظهر حقيقة مرة: المغرب يعيش تحولاً رقمياً على الورق فقط، في حين أن بنيته التحتية المعلوماتية تعاني من تصدعات خطيرة جعلتها عرضة للاختراق من طرف جماعات إجرامية خارجية، بعضها محسوب على خصوم سياسيين للمملكة في المنطقة. وهو ما يجعل الأمر يتجاوز مجرد “حادث عابر”، ليصبح مسألة أمن وطني بامتياز.

الحديث عن “التحول الرقمي” فقد جزءاً كبيراً من مصداقيته أمام الرأي العام، الذي يرى اليوم أن طموحات الرقمنة لم تكن سوى واجهة براقة تخفي وراءها واقعاً هشاً ومنظومة قديمة لم تواكب لا تحديات العصر، ولا تطورات تكنولوجيا الهجمات السبرانية. وبينما تبقى الأسئلة معلقة حول من يتحمل المسؤولية السياسية والتقنية لهذا الإخفاق، يظل المواطن المغربي الخاسر الأكبر، بعدما أصبح أمنه الرقمي سلعة معروضة للبيع في السوق السوداء للمعلومات.