حسن جابر.. قلب زجرية الدار البيضاء النابض بروح القانون

في قلب الحركية القضائية النشطة للعاصمة الاقتصادية للمملكة، تبرز شخصية القاضي حسن جابر كرجل قانون هادئ، صارم، ومتوازن، يتولى رئاسة المحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع، إحدى أكبر وأهم المحاكم المتخصصة في المغرب. في هذا الموقع الحساس، الذي تعبر منه يومياً آلاف الملفات المرتبطة بالقانون الجنائي، يشكل جابر تجسيداً لقاضٍ جمع بين الحزم في تطبيق القانون، والمرونة الحكيمة التي يقتضيها تدبير العدالة في سياقاتها الاجتماعية والإنسانية المعقدة.
على امتداد مساره القضائي الذي راكم فيه خبرة تتجاوز العقدين، لم يكن حسن جابر مجرد موظف في جهاز العدالة، بل كان فاعلاً أساسياً في تطوير العمل القضائي الزجري، سواء من خلال إشرافه على تدبير الملفات الكبرى التي شهدتها محاكم المملكة، أو من خلال دوره التأطيري والتوجيهي للقضاة الجدد، ما جعله يُصنف ضمن جيل القضاة الذين يجمعون بين صرامة التطبيق ومرونة التأويل.
لكن الحضور المؤسساتي لحسن جابر لا يقتصر فقط على قاعات المحكمة، بل امتد ليشمل عضويته في اللجنة المؤقتة لتسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر، التي أنشئت بمرسوم حكومي لتعويض المجلس الوطني للصحافة بعد انتهاء مدة انتدابه. في هذه اللجنة الحساسة، التي جاءت لضمان استمرار تنظيم القطاع الإعلامي في انتظار انتخاب مجلس جديد، يمثل جابر المجلس الأعلى للسلطة القضائية، بصفته أحد أعمدته التنفيذية، ما يعكس الثقة الكبيرة التي تحظى بها خبرته القضائية وقدرته على استيعاب خصوصيات قطاع الإعلام، في توازٍ دقيق مع ضرورة احترام الضمانات القانونية المرتبطة بحرية التعبير والصحافة.
وإذا كان القضاء الزجري يوصف عادةً بـ”القضاء الصارم” نظراً لارتباطه بالعقوبات الجنائية، فإن حسن جابر أثبت من خلال ممارسته اليومية أن الصرامة لا تعني أبداً الجمود أو القسوة، بل هي التزام صادق بروح النص القانوني ومقاصده الاجتماعية، في توازن دائم مع مبدإ العدالة الرحيمة التي تأخذ بعين الاعتبار ظروف المتقاضين وسياقاتهم.
وقد عرف عن جابر، بحسب شهادات كثير من المحامين والقضاة، حرصه على ترسيخ مبدأ استقلالية القضاء داخل فضاء المحكمة الزجرية بعين السبع، حيث لا يتردد في الدفاع عن حرية القضاة في اتخاذ قراراتهم وفق ضميرهم المهني، بعيداً عن أية تأثيرات خارجية مهما كان مصدرها. هذا التوجه يعزز الثقة في مؤسسة القضاء الجنائي كمؤسسة حامية للحقوق والحريات، وليس مجرد جهاز لإنزال العقوبات.
أما داخل اللجنة المؤقتة لتسيير قطاع الصحافة والنشر، فقد وجد جابر نفسه أمام تحدٍّ من نوع آخر، يتمثل في تدبير ملفات معقدة تتقاطع فيها حرية التعبير مع متطلبات احترام القانون وأخلاقيات المهنة. ومن خلال موقعه كممثل للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، يساهم في خلق توازن بين حرية الصحافة كحق دستوري مكفول، وضرورة احترام القوانين المؤطرة للمهنة، بما فيها قانون الصحافة والنشر، في انسجام تام مع الضمانات الدستورية والقانونية.
ولا شك أن الجمع بين رئاسة محكمة زجرية بهذا الحجم، والمساهمة في تدبير قطاع حساس كالإعلام، يكشف عن شخصية قانونية نادرة تمتلك القدرة على الانتقال بين فضاءات قانونية متباينة، دون أن تفقد البوصلة الموجهة نحو سيادة القانون وروح العدالة. وهي مهمة ليست بالهينة في سياق مغربي يعرف تحولات كبرى على مستوى تطور مفهوم الحريات، وتزايد الطلب المجتمعي على عدالة ناجعة ومنصفة.
وفي ظل النقاش الوطني المفتوح حول إصلاح منظومة العدالة، يشكل حسن جابر نموذجاً لقاضٍ يدرك أن القضاء ليس مجرد ممارسة تقنية باردة، بل هو مسؤولية أخلاقية ومجتمعية، تتطلب قدراً عالياً من الحكمة، وبعد النظر، والقدرة على التقدير الرشيد لمآلات الأحكام والقرارات. وقد بدا ذلك جلياً في الطريقة التي يتعامل بها مع الملفات ذات الحساسية الخاصة، سواء في المجال الجنائي أو في قضايا الرأي والتعبير.
إن حضور حسن جابر، بصمته، وأسلوبه في العمل، يعكس وجه قضاء مغربي يسعى إلى بناء ثقة جديدة مع المواطن، عبر ترسيخ مبادئ الإنصاف، والنزاهة، والاستقلالية، في أفق جعل القضاء فاعلاً محورياً في ورش بناء دولة القانون والمؤسسات.
وفي انتظار ما ستفرزه المرحلة المقبلة من تحديات على مستوى القضاء والإعلام، يظل اسم حسن جابر عنواناً بارزاً لقاضٍ مغربي جمع بين الصرامة القانونية، والحس الإنساني، والرؤية المؤسساتية، في خدمة عدالة عادلة، ومنصفة، ومواطنة.


