ملفات حارقة على طاولة عامل سطات الجديد

تم مؤخراً تعيين عامل جديد على إقليم سطات، في خطوة تندرج ضمن الحركية الإدارية التي تشهدها وزارة الداخلية لإعطاء نفس جديد للتدبير الترابي. ويأتي هذا التعيين في سياق دقيق يفرض على المسؤول الجديد التعاطي مع ملفات ثقيلة وملفات اجتماعية وتنموية استعصى حلها لسنوات، من قبيل تأهيل البنية التحتية، وتدبير الأراضي السلالية، وتجاوز أعطاب التعمير، فضلاً عن الاستجابة لانتظارات ساكنة الإقليم في ما يتعلق بتحسين الخدمات الأساسية وتعزيز الحكامة المحلية.
في هذا المقال يعرض موقع “زون24” ثلاثة ملفات حساسة بالإقليم تحتاج تدخلاً من العامل الجديد.
أزمة شركة SETTAVEX..مستقبل 500 أسرة في كف عفريت
تواجه شركة “SETTAVEX” المتخصصة في صناعة النسيج والواقعة بمدينة سطات أزمة مالية خانقة تهدد بإغلاق أبوابها وتسريح مئات العمال. الشركة، التي تعد واحدة من أبرز المؤسسات الصناعية في مجال إنتاج قماش “الدنيم” بالمغرب، كانت تشغل أزيد من 500 مستخدم وتُسهم في الاقتصاد المحلي بشكل ملحوظ، إلا أن الوضع المالي المتأزم جعل استمراريتها محل شك كبير.
الأزمة تفجرت بسبب تراكم الديون التي بلغت مستويات قياسية، وهو ما تسبب في انعدام الثقة بينها وبين مزوديها وشركائها الماليين. كما أن تأخرها في سداد أجور العمال ومستحقات الضمان الاجتماعي والضرائب زاد من تأزم الوضع الداخلي. وجهت اتهامات صريحة لإدارة الشركة، خاصة على المستوى المالي، بالتقصير وسوء التسيير، ما ساهم في تسريع انهيار المؤسسة.
الانعكاسات الاجتماعية للأزمة كانت فورية، حيث وجد مئات العمال أنفسهم مهددين بفقدان وظائفهم من دون سابق إنذار، في غياب أي تعويضات أو بدائل. هذا الوضع دفع الاتحاد المغربي للشغل إلى الدخول على خط الأزمة، من خلال إصدار بيانات احتجاجية وتنظيم وقفات أمام مقر الشركة، للمطالبة بإنصاف العمال ودفع مستحقاتهم، والحفاظ على استمرارية المؤسسة.
على المستوى الرسمي، تحرك عامل إقليم سطات بعقد لقاءات مستعجلة مع عدد من الأطراف المعنية، من بينها مسؤولو الشركة وممثلون عن السلطات الاقتصادية والإدارية المحلية. كما طرحت القضية داخل البرلمان في شكل سؤال كتابي، نبه إلى خطورة الوضع الاجتماعي الذي ينذر بانفجار احتجاجي إذا ما استمرت الأزمة من دون تدخل فعلي من الدولة.
المالك الإسباني للشركة ظل غائباً عن المشهد، ما زاد من الشكوك حول وجود نية مبيتة لتصفية الشركة أو نقل نشاطها إلى وجهات أخرى. وهو ما اعتبره البعض محاولة للتملص من المسؤولية القانونية والاجتماعية تجاه المستخدمين.
ما تزال الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، في ظل غياب أي خطة إنقاذ واضحة. بينما يواصل العمال ومعهم ممثلوهم النقابيون الضغط من أجل إيجاد حل عادل يضمن لهم حقوقهم ويحافظ على هذا المكسب الصناعي الذي شكل لعقود أحد رموز النسيج المغربي. إن ما يقع داخل “SETTAVEX” هو نموذج مصغر لأزمة أوسع يعيشها قطاع النسيج، تتطلب تدخلاً استراتيجياً يعيد الاعتبار لهذه الصناعة ويضمن استقرارها في وجه المتغيرات الدولية والمحلية.
“كرين بارك”..مسلسل طويل بين الجماعة والشركة المستغلة
يُعَدُّ المركب السياحي “كرين بارك” بمدينة سطات من أبرز المشاريع الترفيهية التي شهدت تطورات متسارعة خلال السنوات الأخيرة، حيث تحول من مشروع واعد إلى محور نزاعات قانونية وإدارية أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية.
تعود بداية الأزمة إلى عام 2013، حينما قامت جماعة سطات بتأجير المركب لشركة “الشاوية كرين كناليطو” بموجب عقد كراء لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، بسومة كرائية شهرية قدرها 31,021 درهم. استثمر صاحب الشركة، وهو مهاجر مغربي، مبالغ مالية كبيرة لتأهيل المركب وتحويله إلى وجهة سياحية متميزة، خاصة خلال فصل الصيف.
غير أن الخلافات بدأت تطفو على السطح بعد قرار الجماعة بفسخ العقد في فبراير 2015، بدعوى إخلال الشركة بالتزاماتها، خصوصاً تأخرها في أداء واجبات الكراء. هذا القرار أدى إلى سلسلة من الدعاوى القضائية، حيث قضت المحكمة الإدارية بالدار البيضاء بفسخ العقد والإفراغ، مع تعويض الشركة عن الإصلاحات والتجهيزات التي قامت بها.
في تطور لاحق، أصدرت محكمة النقض بالرباط حكماً نهائياً يقضي بتغريم جماعة سطات مبلغاً يقارب 6.9 ملايين درهم، تعويضاً للشركة المستغلة عن الأضرار التي لحقت بها جراء فسخ العقد. هذا الحكم جاء بعد رفض الطعن الذي تقدمت به الجماعة ضد قرار محكمة الاستئناف الإدارية بالرباط.
من جهة أخرى، قامت لجنة مختلطة بزيارة ميدانية للمركب في أبريل 2025، حيث رصدت مجموعة من الخروقات التعميرية والصحية، منها تحويل بعض المرافق دون ترخيص، وانعدام شروط السلامة والنظافة، مما دفع الجماعة إلى إصدار قرار بإغلاق المركب إلى حين تسوية وضعيته القانونية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه القضية أثارت اهتمام الرأي العام المحلي، خاصة بعد تداول فيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تدعي وقوع هجوم مسلح على المركب، وهو ما نفته ولاية أمن سطات، مؤكدة أن الأمر يتعلق بنزاع مدني تطور إلى تبادل للعنف بين أطراف متنازعة على أحقية استغلال المركب.
في ظل هذه التطورات، تدخل عامل إقليم سطات في محاولة للوساطة بين الجماعة والشركة المستغلة، بهدف إيجاد حل ودي ينهي النزاع القائم ويعيد المركب إلى سكته الصحيحة، بعيداً عن أروقة المحاكم.
تبقى قضية “كرين بارك” مثالاً على التحديات التي تواجه الاستثمار المحلي، خاصة في ظل غياب وضوح في العقود والتراخيص، مما يستدعي مراجعة شاملة للسياسات المعتمدة لضمان بيئة استثمارية مستقرة وآمنة.
المختلين عقليا..غزو لجماعات الإقليم
في الأيام الأخيرة، اهتزت مدينة بن أحمد التابعة لإقليم سطات على وقع جريمة بشعة ذهب ضحيتها شخصان على يد مختل عقلي مسجون الآن على ذمة التحقيق.
هذه الفاجعة ليست حدثًا معزولًا، بل جاءت لتسلط الضوء من جديد على واقع مقلق يعيشه الإقليم، حيث بات المختلون العقليون جزءًا من المشهد اليومي، يتجولون في الشوارع والأسواق، دون رعاية أو احتواء، وفي ظل غياب شبه تام لأي استراتيجية واضحة من الدولة للتعامل مع هذه الفئة المنسية.
في مدينة سطات كما في بن أحمد، وفي العديد من الجماعات القروية التابعة للإقليم، لا يكاد يخلو حي أو سوق من شخص تبدو عليه علامات الاضطراب النفسي، يمشي في الشوارع تارة صامتًا وتارة أخرى هائجًا، يصرخ، يعتدي، أو يجلس ساعات طويلة في زوايا مهملة، تحت الشمس أو البرد القارس، بلا مأوى، بلا دواء، وبلا حماية. لم يعد السكان يكتفون بالتحسر أو الدعاء، بل صار الخوف هو الشعور السائد، خاصة في صفوف الأسر التي تمنع أبناءها من الخروج إلى الشارع في بعض الفترات، خوفًا من تصرفات غير متوقعة قد تتحول إلى اعتداءات دموية كما وقع في بن أحمد.
أمام هذا الوضع، تبرز مفارقة صادمة: الدولة التي تتحدث عن الحقوق والحماية الاجتماعية، تعجز عن توفير الحد الأدنى من الرعاية النفسية والطبية لفئة تعاني من هشاشة قصوى. أغلب المختلين العقليين في الإقليم هم ضحايا الإهمال المزدوج: إهمال أسرهم، التي غالبًا ما تعاني الفقر والعجز، وإهمال مؤسسات الدولة التي لا توفر مراكز إيواء كافية، ولا تتبع طبي دوري، ولا حتى استراتيجية للوقاية أو التدخل.
المستشفى الإقليمي بسطات لا يتوفر على بنيات ملائمة لمعالجة أو إيواء هذا الكم المتزايد من المرضى، ومصلحة الأمراض النفسية في مستشفى برشيد الجهوي بدورها تعاني من الاكتظاظ وقلة الموارد البشرية. أمام هذا الخصاص، تبقى الشوارع هي الملجأ الوحيد، وتبقى المدينة معرضة لمزيد من الانفلاتات النفسية التي قد تتحول إلى كوارث إنسانية.
ما وقع في بن أحمد جريمة صادمة، لكنها نتيجة متوقعة لسلسلة من الإهمال والتقصير، لا يمكن تبريرها أو تجاوزها بالصمت أو التسويف. ترك المرضى العقليين في الشارع، دون متابعة ولا علاج، ليس فقط خطرًا على المجتمع، بل هو عنف مؤسساتي صامت في حقهم أيضًا. فهؤلاء ليسوا مجرمين بالفطرة، بل ضحايا إقصاء مركب، اجتماعي وصحي وسياسي.
الوضع في إقليم سطات يحتاج إلى تدخل عاجل، لا يقتصر فقط على تعبئة أمنية بعد وقوع الكارثة، بل يشمل إرساء سياسة صحية متكاملة تُعنى بالصحة النفسية، وتوفر مراكز استقبال وعلاج، وتضمن كرامة المريض وحماية المجتمع في آن. بدون ذلك، ستظل بن أحمد وغيرها من مدن الإقليم تحت رحمة الانفجار القادم، في انتظار الضحية التالية.


