“خبير أمني”..الصفة الأكثر إنتحالاً في وسائل الإعلام المغربية

تتميز الأجهزة الأمنية في المغرب بنجاعة عالية في الحفاظ على الاستقرار ومكافحة الجريمة والإرهاب، بفضل استراتيجيات استباقية تعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية والتنسيق بين مختلف المصالح الأمنية. وقد نجحت هذه الأجهزة، مثل المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للأمن الوطني (DGSN)، في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية والشبكات الإجرامية، مما عزز مكانة المغرب كبلد رائد في مجال الأمن على المستويين الإقليمي والدولي. ويرجع هذا النجاح إلى تحديث البنية الأمنية، والاستثمار في التكنولوجيا الحديثة، والتعاون الوثيق مع شركاء دوليين، إلى جانب التزامها باحترام القانون وحقوق الإنسان.
وفي السنوات الأخيرة، أصبح لقب “خبير أمني” يُتداول بكثرة، خاصة في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حيث يظهر أشخاص يقدمون أنفسهم كمتخصصين في الشأن الأمني دون أن تكون لديهم المؤهلات الكافية. وهو ما يثير تساؤلات حول المعايير التي تحدد من يستحق هذا اللقب، في ظل تعقيد القضايا الأمنية التي تتطلب معرفة دقيقة وخبرة عملية.
الخبرة الأمنية لا تُكتسب بين عشية وضحاها، بل تحتاج إلى تكوين أكاديمي متين في مجالات ذات صلة، مثل العلوم الأمنية، القانون الجنائي، علم الجريمة، الأمن السيبراني أو العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية. هذه التخصصات تمنح الشخص قاعدة علمية تساعده على فهم القضايا الأمنية من منظور موضوعي وعلمي، بعيداً عن التفسيرات العشوائية أو القراءات السطحية للأحداث.
إلى جانب التكوين الأكاديمي، تُعدّ الخبرة الميدانية عاملاً حاسماً في تكوين الخبير الأمني. فلا يمكن لشخص لم يسبق له العمل في الأجهزة الأمنية أو العسكرية، أو المشاركة في تحليل الملفات الأمنية، أن يكون قادراً على تقديم قراءات دقيقة للوضع الأمني. الممارسة العملية، سواء من خلال العمل الرسمي في الأجهزة المختصة أو في مجال البحث والتحليل، تتيح للشخص تكوين نظرة متعمقة حول التحديات الأمنية وآليات التعامل معها.
المعرفة بالتطورات التكنولوجية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من عمل الخبير الأمني، خاصة مع تزايد التهديدات السيبرانية وتطور وسائل الجريمة المنظمة. فالشخص الذي يدّعي امتلاك الخبرة الأمنية دون فهم مستجدات الأمن الرقمي والتحديات السيبرانية يبقى بعيداً عن الواقع المعقد للمجال الأمني المعاصر.
إلى جانب ذلك، يتطلب العمل الأمني قدراً كبيراً من الحياد والموضوعية، فلا يمكن اعتبار شخص خبيراً أمنياً إذا كان يتبنى مواقف منحازة أو يروج لأجندات معينة تحت غطاء التحليل الأمني. فالخبير الأمني الحقيقي هو الذي يعتمد على المعلومات الموثوقة، ويستند إلى تحليل علمي دقيق بعيد عن الإثارة أو التهويل.
في ظل انتشار المدعين في المجال الأمني، يصبح من الضروري التدقيق في خلفية من يطلقون على أنفسهم خبراء أمنيين. فالمسألة لا تتعلق فقط بالمصداقية، بل أيضاً بتأثير هذه الشخصيات على الرأي العام، حيث يمكن لتحليلات غير دقيقة أو مغرضة أن تساهم في خلق حالة من الهلع أو التضليل. لذلك، تبقى الخبرة الحقيقية مرتبطة بالمعرفة الأكاديمية، التجربة الميدانية، الإلمام بالتطورات التكنولوجية، والقدرة على التحليل الموضوعي، وهي أمور لا يمكن لأي شخص امتلاكها لمجرد ظهوره في الإعلام أو تقديم نفسه على أنه خبير أمني.


