الشنّاقة الجدد

انتهى العيد، وعاد الناس إلى بيوتهم. عاد التلاميذ إلى قاعات الامتحان، وعادت الأسر إلى تفاصيل الحياة اليومية، بين انتظار نتائج الباكالوريا والانشغال بمصاريف الصيف وهموم المعيشة. لكن بعيداً عن أجواء الامتحانات، هناك امتحان آخر بدأ مبكراً، ليس في المؤسسات التعليمية، بل في الساحة السياسية.
فكما ظهر “شناقة” الأضاحي قبل العيد، يبدو أن البلاد دخلت مبكراً موسم “الشنّاقة الجدد”، أولئك الذين يتحركون في الظل استعداداً لانتخابات 23 شتنبر 2026.
ملامح هذه الظاهرة بدأت تظهر للعيان. لقاءات متتالية، تحركات غير مفهومة، ووعود تتنقل من مجلس إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى. فجأة أصبح بعض المنتخبين الصغار محط اهتمام كبير، وأصبح بعض الناخبين هدفاً لكرم سياسي استثنائي لم يروه طوال سنوات. الكل يبحث عن موقع أفضل، والكل يحاول تأمين مكانه قبل أن تنطلق الحملة الانتخابية رسمياً.
المثير في الأمر أن بعض الذين لم يسألوا عن المواطنين طوال سنوات، عادوا اليوم للظهور في المناسبات والأعراس والجنائز والأنشطة المحلية. وجوه اختفت طويلاً ثم عادت وهي تحمل الابتسامات والوعود نفسها التي سمعها الناس في كل محطة انتخابية سابقة.
لقد تحولت السياسة عند البعض إلى سوق مفتوحة، لا مكان فيها للبرامج ولا للأفكار ولا للكفاءة. المطلوب هو جمع أكبر عدد من الأنصار بأي وسيلة، واستقطاب المنتخبين حيثما وجدوا، والبحث عن الضمانات التي تقرب من المقعد قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
وإذا كان السمسار في الأسواق يبحث عن الربح السريع، فإن “الشناقة الجدد” يبحثون عن الربح السياسي السريع. لا يهمهم النقاش العمومي ولا انتظارات المواطنين، بقدر ما يهمهم ترتيب المواقع وحسابات الأصوات وخريطة المصالح. لذلك بدأت حركة التنقلات والاستقطابات مبكراً، وكأن الانتخابات ستجرى غداً لا بعد أشهر.
المؤسف أن هذه الممارسات، حين تتحول إلى ثقافة سياسية، تفرغ العملية الديمقراطية من معناها الحقيقي. فالمنافسة الانتخابية يفترض أن تكون منافسة بين مشاريع ورؤى وبرامج، لا سباقاً حول من يستطيع جمع أكبر عدد من الولاءات المؤقتة أو بناء أكبر شبكة من المصالح.
المغاربة اليوم ليسوا في حاجة إلى مزيد من الوسطاء والسماسرة السياسيين، بل في حاجة إلى مسؤولين يملكون الشجاعة لمواجهة المشاكل الحقيقية: التعليم، الصحة، التشغيل، والعدالة المجالية. أما تحويل الانتخابات إلى موسم للمساومات والحسابات الضيقة فلن يؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة التي يعاني منها العمل السياسي منذ سنوات.
ومع اقتراب 23 شتنبر 2026، سيكتشف المواطن مرة أخرى أن الامتحان الحقيقي ليس امتحان الباكالوريا الذي يجتازه أبناؤه هذه الأيام، بل امتحان الديمقراطية الذي سيجتازه السياسيون أمام الرأي العام. وحينها فقط سيتضح من جاء بخدمة الناس، ومن جاء بحثاً عن مقعد، ومن اختار أن يكون من “الشنّاقة الجدد”.


