افتتاحية

SRM لتخصيب اليورانيوم

ليست الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء-سطات مجرد مؤسسة عمومية مكلفة بتدبير الماء والكهرباء والتطهير السائل، بل تحولت في زمن قياسي إلى مختبر إداري غريب، تختلط فيه القرارات المرتجلة بسوء الحكامة، وتتحول فيه الأرقام الضخمة إلى مؤشرات مقلقة على تدبير يفتقد للرؤية والمساءلة. منذ تنصيب المدير العام يوسف التازي على رأس هذه الشركة، بدا واضحاً أن المشروع الذي قُدِّم باعتباره نموذجاً للإصلاح الترابي، يسير في اتجاه معاكس تماماً لما انتظره المواطنون والمنتخبون والفاعلون الاقتصاديون.

الأرقام التي سبق نشرها في موقع “زون24” ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل وثائق دامغة تكشف حجم الاختلال. التأخر المزمن في أداء مستحقات المقاولات والمتعاملين مع الشركة لم يعد حادثاً عرضياً، بل تحول إلى سياسة تدبير غير معلنة. التأخير كلف خزينة الشركة ما يقارب 20 مليار سنتيم، أي ما يعادل حوالي 50 مليون درهم كل ثلاثة أشهر، بسبب غرامات التأخير والفوائد المترتبة عن عدم احترام آجال الأداء. هذا النزيف المالي لم يكن مجرد رقم في تقرير محاسباتي، بل كانت له آثار مباشرة على النسيج الاقتصادي المحلي؛ شركات صغيرة ومتوسطة وجدت نفسها عاجزة عن الاستمرار، بعضها أغلق أبوابه نهائياً، وبعضها سرّح عماله بعدما اختنق مالياً في انتظار مستحقات لم تصل.

المفارقة أن هذا الوضع يحدث في مؤسسة تتحدث باستمرار عن الاستثمار والتنمية. فميزانيات الاستثمار المعلن عنها بمليارات الدراهم يفترض أن تترجم إلى خدمات أفضل وبنيات تحتية حديثة، لكن الواقع يكشف أن جزءاً مهماً من هذه الاعتمادات ظل حبيس التعثر الإداري وضعف البرمجة. الاستثمار بدون حكامة ليس سوى أرقام جميلة في البلاغات الرسمية، بينما الشبكات تتآكل، والمشاريع تتأخر، والمواطن يؤدي الثمن في النهاية عبر جودة خدمة متراجعة وفواتير ترتفع باستمرار.

غير أن الأزمة داخل SRM لا تقف عند حدود التدبير المالي، بل تمتد إلى بنية الموارد البشرية نفسها. داخل الشركة، يتداول الموظفون والمهنيون قصة مسؤولة نافذة تتقاضى ما يفوق 100 ألف درهم شهرياً، راتب يكاد يضعها في مصاف خبراء الصناعات النووية لا مسؤولي مرفق عمومي محلي. وكأن الشركة لا تدبر الماء والكهرباء، بل تشرف على برنامج لتخصيب اليورانيوم. هذا المستوى من الأجور يطرح سؤال العدالة الداخلية والشفافية: ما هي المعايير؟ ما هي النتائج؟ وما هي القيمة المضافة التي تبرر هذه الرواتب الخيالية في مؤسسة عمومية تعاني اختلالات مالية وتنظيمية واضحة؟

وفي الزاوية الأخرى من المشهد، تتردد معطيات متقاطعة حول امتلاك نائب المدير العام لعقارات باهظة الثمن حصل عليها حديثاً في عدد من المناطق، ضمنها مدينة المحمدية. قد يكون الاستثمار العقاري حقاً مشروعاً لأي مسؤول، لكن الإشكال يبدأ عندما يتزامن تراكم الثروة الخاصة مع مرحلة تعيش فيها المؤسسة نفسها اختلالات مالية وتأخراً في الأداءات وتوتراً داخلياً غير مسبوق. هنا يصبح السؤال سياسياً وأخلاقياً قبل أن يكون قانونياً: كيف يفشل المرفق العمومي ويزدهر المسؤولون داخله في الوقت نفسه؟

الأخطر من ذلك أن ممارسات “تحت الدف” التي طبعت مرحلة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يبدو أنها وجدت طريقها إلى الشركة الجهوية الجديدة. الحديث داخل القطاع لا يتوقف عن استفادة شقيق مدير إقليمي من صفقات عبر شركته الخاصة، في امتداد لمنطق العلاقات العائلية بدل المنافسة الشفافة. وإذا كانت فلسفة إحداث الشركات الجهوية تقوم على القطع مع ممارسات الماضي، فإن إعادة إنتاج نفس الشبكات ونفس الأساليب تعني ببساطة أننا لم نغير سوى الاسم والشعار.

إن ما يحدث داخل SRM الدار البيضاء-سطات يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الإصلاح المؤسساتي في المغرب. هل يكفي إنشاء هياكل جديدة حتى نقول إننا أصلحنا القطاع؟ أم أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالمحاسبة، وربط المسؤولية بالنتائج، وفرض الشفافية في الصفقات والتوظيف والأجور؟ لأن مؤسسة تدبر مليارات الدراهم وتؤثر مباشرة في الحياة اليومية لملايين المواطنين لا يمكن أن تُترك رهينة قرارات فردية أو تدبير عشوائي.

اليوم، تبدو الشركة وكأنها مشروع ضخم بلا بوصلة واضحة: استثمارات معلنة بلا أثر ملموس، مقاولات تنهار بسبب التأخر في الأداء، رواتب تفوق المنطق الإداري، وشبهات تضارب مصالح تعيد إلى الواجهة أسئلة الحكامة التي ظن الجميع أنها حُسمت مع نهاية مرحلة المؤسسات القديمة.

لهذا، فإن افتتاحية اليوم ليست ضد أشخاص بقدر ما هي دفاع عن فكرة المرفق العمومي نفسه. لأن المرفق العمومي حين يفقد روحه يصبح مجرد آلة مالية تُغني القلة وتثقل كاهل الجميع. وعندما يصل الأمر إلى حد رواتب تشبه أجور خبراء الطاقة النووية، وصفقات تدور في محيط العائلة، واستثمارات بلا مردودية واضحة، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام شركة متعددة الخدمات… أم أمام SRM لتخصيب اليورانيوم الإداري والمالي؟