إقتصاد

بسبب SRM..مشاريع عقارية متوقفة بالدار البيضاء ومستثمرون غاضبون

لم يعد الغضب مقتصراً على المواطن البيضاوي الذي يشتكي يومياً من فواتير الماء والكهرباء والخدمات المرتبطة بها، بل امتد اليوم إلى فئة أخرى كانت إلى وقت قريب بعيدة عن دائرة الاحتقان، ويتعلق الأمر بالمستثمرين في القطاع العقاري الذين وجدوا أنفسهم أمام واقع إداري معقد يهدد استثماراتهم ويجمّد مشاريعهم رغم استيفائهم لجميع المساطر القانونية المطلوبة.

مصادر متطابقة تحدثت لموقع “زون24” عن حالة احتقان غير مسبوقة وسط عدد من المنعشين العقاريين بمدينة الدار البيضاء، بعدما توقفت أوراش سكنية وتجارية بشكل مفاجئ بسبب تأخر أو رفض منح تراخيص الربط بالشبكات المرتبطة بالشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات (SRM)، رغم حصول هؤلاء المستثمرين مسبقاً على رخص البناء من الوكالة الحضرية، وموافقات السلطات الترابية، وتأشيرات مجلس المدينة، بل وبعد ضخ ملايين الدراهم في مشاريع جاهزة للانطلاق أو في مراحل متقدمة من الإنجاز.

المستثمرون يؤكدون أن المشكل لم يعد تقنياً كما تحاول بعض الجهات تقديمه، بل تحول إلى عائق إداري حقيقي يضرب مبدأ الأمن الاستثماري في العمق. فالمقاول الذي يحصل على جميع التراخيص القانونية يفترض أن يجد المساطر منسجمة ومتكاملة بين المؤسسات، غير أن الواقع يكشف عن وجود حلقة معطلة اسمها SRM، حيث تتوقف المشاريع عند باب واحد، رغم مرورها بنجاح عبر كل الأبواب الأخرى.

وتتحدث مصادر “زون24” عن ملفات عالقة منذ أشهر، وأخرى تجاوزت السنة دون أي جواب واضح، ما أدى إلى خسائر مالية مباشرة للمستثمرين، وتأخر تسليم شقق للمواطنين، وتجميد فرص شغل كان من الممكن أن توفرها هذه الأوراش. بعض المنعشين اضطروا إلى أداء فوائد بنكية إضافية بسبب توقف الأشغال، بينما وجد آخرون أنفسهم أمام زبائن غاضبين وشركات مقاولة مهددة بالإفلاس.

الأخطر في الموضوع، حسب المتحدثين، أن الشركة الجهوية متعددة الخدمات لا تقدم تعليلات دقيقة أو آجالاً واضحة، بل تكتفي بالصمت أو بإجابات عامة لا تحل الإشكال. وهو ما يطرح سؤال الحكامة والتنسيق المؤسساتي داخل مدينة يفترض أنها القاطرة الاقتصادية للمملكة.

في المقابل، يواصل المدير العام يوسف التازي نهج سياسة الآذان الصماء، وفق ما يصفه المستثمرون، حيث لا لقاءات تواصلية حقيقية مع الفاعلين الاقتصاديين، ولا توضيحات للرأي العام حول أسباب هذا التعثر الذي أصبح يهدد مناخ الاستثمار المحلي. أما فريق التواصل بالشركة، فقد اختار مرة أخرى الطريق الأسهل: تحرير بلاغات وتعميمها على وسائل الإعلام في محاولة لصناعة صورة افتراضية لا تعكس واقع الميدان.

المفارقة أن البلاغات المتكررة لم تنفِ يوماً جوهر الانتقادات، ولم تقدم معطيات دقيقة حول أسباب تعطيل المشاريع أو آجال معالجة الملفات، بل تحولت إلى ممارسة تواصلية شكلية تقوم على الرد بدل الإنصات، وعلى تلميع الصورة بدل حل المشاكل.

ويؤكد مهنيون أن استمرار هذا الوضع قد يدفع عدداً من المستثمرين إلى إعادة النظر في مشاريعهم داخل الدار البيضاء، وهو ما يشكل رسالة سلبية خطيرة في لحظة تراهن فيها الدولة على تحفيز الاستثمار وتسريع دينامية التعمير واستقطاب الرساميل الوطنية والأجنبية، خاصة في أفق الاستحقاقات الدولية الكبرى التي تستعد لها المملكة.

اليوم لم يعد السؤال فقط حول ارتفاع الفواتير أو جودة الخدمات، بل حول دور الشركة الجهوية متعددة الخدمات في تسهيل التنمية أم تعطيلها. فحين تتحول مؤسسة عمومية مفوض لها تدبير مرفق حيوي إلى عائق أمام الاستثمار، فإن الأمر يتجاوز سوء التدبير ليصبح قضية مرتبطة بثقة الفاعلين الاقتصاديين في المؤسسات.

الدار البيضاء لا تحتاج بلاغات جديدة، بل تحتاج أجوبة واضحة، ومساطر شفافة، وإدارة تستوعب أن التواصل الحقيقي لا يصنع في البيانات الجاهزة، بل في حل مشاكل الناس والمستثمرين على أرض الواقع. فالأوراش المتوقفة اليوم ليست مجرد بنايات إسمنتية، بل رسائل إنذار حول اختلال عميق قد يكلف المدينة كثيراً إن استمر الصمت سيد الموقف.