دفاعاً عن فؤاد عالي الهمة

عاد اسم فؤاد عالي الهمة إلى التداول بقوة داخل النقاش العمومي المغربي خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما تحوّل الرجل إلى موضوع لكتابات وتعليقات متباينة، بعضها سياسي مشروع، وبعضها الآخر اختار طريق التلميح بدل التحليل. غير أن الحديث عن عالي الهمة لا يمكن أن يتم بمنطق الانطباع أو الأحكام السريعة، لأن الأمر يتعلق بأحد أبرز رجال الدولة الذين اشتغلوا بهدوء داخل بنية النظام السياسي المغربي لعقود، بعيداً عن منطق النجومية السياسية أو البحث عن الواجهة الإعلامية.
القرب من المؤسسة الملكية، خصوصاً داخل دولة يقودها الملك محمد السادس، يجعل أي شخصية في هذا الموقع عرضة للتأويل والقراءات المتناقضة. لكن الإنصاف يفرض العودة إلى الوقائع: رجل اختار منذ سنوات مغادرة الصخب الحزبي والاشتغال في دائرة الاستشارة الاستراتيجية، حيث تُقاس المسؤولية بقدرة صاحبها على الحفاظ على توازن الدولة لا بقدر حضوره في وسائل الإعلام.
فؤاد عالي الهمة لم يصنع صورته عبر الخطب ولا عبر المواجهات التلفزية، بل عبر مسار إداري وسياسي طويل بدأ من تدبير الشأن الترابي مروراً بتجربة حكومية ثم مساهمة واضحة في إعادة ترتيب المشهد السياسي المغربي خلال مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد. ومع انتقاله إلى مهمة مستشار ملكي، تغيّر الدور لكن لم تتغير القاعدة الأساسية التي تحكم عمله: خدمة المؤسسة قبل خدمة الذات.
المفارقة أن الصمت الذي يختاره الرجل احتراماً لطبيعة موقعه أصبح أحياناً مادة خصبة للقراءات المغلوطة. ففي عالم اعتاد السياسي الذي يعلّق يومياً ويظهر باستمرار، يبدو رجل الدولة المتحفظ استثناءً يثير الفضول وربما الشك. غير أن ثقافة الدولة المغربية، تاريخياً، قامت على رجال يشتغلون بعيداً عن الأضواء، واضعين الاستقرار فوق أي اعتبار آخر.
القريبون من دوائر القرار يتحدثون عن شخصية تميل إلى الإصغاء أكثر من الكلام، وإلى بناء التوافقات بدل صناعة الصراعات. تواضع في التعامل، انضباط صارم في العمل، واحترام واضح للمؤسسات ولتدرج المسؤوليات. وهي خصال قد لا تُرى في العناوين الصحفية اليومية، لكنها تظهر في لحظات الأزمات حيث تحتاج الدولة إلى عقل بارد لا إلى صوت مرتفع.
الهجوم على عالي الهمة اليوم يكشف، في العمق، التباساً قائماً في فهم طبيعة النظام السياسي المغربي. فالدولة ليست شبكة أشخاص يتحكمون منفردين في القرار، بل منظومة مؤسسات تتكامل فيها الأدوار تحت قيادة المؤسسة الملكية. داخل هذه المنظومة، يظل دور المستشار الملكي دوراً داعماً للرؤية الاستراتيجية، لا بديلاً عن المؤسسات ولا منافساً لها.
الدفاع عن فؤاد عالي الهمة ليس دفاعاً عن فرد بقدر ما هو دفاع عن قيمة أخلاقية في العمل العمومي: إمكانية خدمة الدولة دون ضجيج، وممارسة النفوذ دون استعراض، والاقتراب من مركز القرار دون السقوط في إغراء السلطة الشخصية. في زمن تتضخم فيه الصور وتختلط فيه الحقيقة بالشائعات، يصبح التذكير بهذه القيم ضرورة سياسية وأخلاقية في آن واحد.
قد يختلف المغاربة حول السياسات أو الاختيارات، وهذا جوهر أي نقاش ديمقراطي صحي، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية رمزية لرجل ظل، بشهادة كثيرين، وفياً لفكرة الدولة قبل أي حساب آخر. ولهذا، فإن الإنصاف يقتضي النظر إلى فؤاد عالي الهمة كما هو: رجل دولة يشتغل بصمت، يفضل النتائج على الشعارات، ويؤمن بأن قوة المؤسسات تقاس بقدرتها على الاستمرار لا بعلو الأصوات حولها.


