تواصلٌ أعمى..لماذا لا يجيبُ التازي عن تبديد 50 مليون درهم وعن أشياء أخرى؟

في زمن أصبحت فيه المؤسسات العمومية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، اختارت الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات طريقاً معاكساً تماماً: الصمت حين يتعلق الأمر بالمال العام، والبلاغات الإنشائية حين تشتعل الأسئلة الحقيقية. فبعدما كشفت مصادر مسؤولة لموقع “زون24″ عن أداء الشركة مبلغاً ضخماً يناهز 50 مليون درهم لفائدة المديرية العامة للضرائب بسبب التأخر في تسديد مستحقات ضريبية، كان الرأي العام ينتظر توضيحاً دقيقاً من الإدارة العامة يقوده المدير يوسف التازي، لكن ما حدث كان نموذجاً صارخاً لما يمكن وصفه بـ”التواصل الأعمى”.
بلاغ صدر على عجل مساء الأحد، وزع على بعض المواقع الإلكترونية بطريقة انتقائية، دون توقيع سياسي واضح ولا جرأة مؤسساتية، جاء خالياً من أي جواب مباشر. لم يشرح لماذا اضطرت شركة تدبر خدمات حيوية للمواطنين إلى دفع عشرات الملايين كغرامات تأخير، ولم يحدد المسؤوليات، ولم يقدم أي معطيات مالية دقيقة، وكأن الأمر مجرد خبر عابر لا يتعلق بأموال عمومية مصدرها جيوب البيضاويين.
الأخطر أن البلاغ لم يناقش أصل الأزمة، بل اختار الهروب إلى الأمام عبر لغة تسويقية باردة تدعو المواطنين عملياً إلى المزيد من الأداء المالي، في الوقت الذي تتزايد فيه شكايات الأسر من فواتير توصف بالمرعبة ومن خدمات لا ترقى إلى الحد الأدنى من الجودة. هنا يتحول التواصل من أداة للشرح والمساءلة إلى وسيلة دفاعية لتبرير واقع مختل، بل إلى جدار عازل بين المؤسسة والمواطن.
السؤال البسيط الذي لم يجب عنه التازي وفريقه التواصلي هو: كيف تصل شركة حديثة التأسيس، يفترض أنها جاءت لإصلاح اختلالات التدبير المفوض، إلى وضعية تؤدي فيها 50 مليون درهم بسبب التأخر الإداري؟ هل الأمر مجرد خطأ تقني؟ أم نتيجة سوء حكامة مالية؟ أم غياب منظومة مراقبة داخلية فعالة؟ الصمت الرسمي يجعل كل الاحتمالات مفتوحة، وهو ما يضر بصورة المؤسسة أكثر مما يحميها.
الواقع أن أزمة الشركة لم تعد تقنية فقط، بل أصبحت أزمة ثقة. المواطن لا يرى سوى فواتير ترتفع، وأعطاب متكررة، وتواصل مرتبك، بينما تختفي الأجوبة كلما تعلق الأمر بالأرقام الكبرى أو بالقرارات المثيرة للجدل. وعوض فتح قنوات حوار حقيقية مع الصحافة والرأي العام، اختارت مسؤولة التواصل إصدار نصوص فضفاضة تشبه الإعلانات أكثر مما تشبه البلاغات المؤسساتية، نصوص لا تعترف بالأخطاء ولا تقدم معطيات قابلة للتحقق.
ولا يقف الأمر عند ملف الغرامات الضريبية فقط، بل يمتد إلى أسئلة أخرى تتداولها مصادر مهنية حول تدبير الصفقات، وطريقة اختيار المتعاقدين، وكيفية صرف ميزانيات التواصل نفسها، في مفارقة لافتة: مؤسسة تنفق على التواصل لكنها تفشل في التواصل. وهو فشل لا يمكن تفسيره إلا بغياب رؤية واضحة لمعنى الخدمة العمومية، حيث يصبح الهدف هو التحكم في الصورة بدل شرح الحقيقة.
إن ما يجري اليوم داخل الشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء سطات يعكس نموذجاً مألوفاً في بعض المؤسسات العمومية: إدارة قوية حين يتعلق الأمر بالاستخلاص، وضعيفة حين يتعلق الأمر بالمحاسبة. فالمواطن مطالب بالدفع في الآجال تحت طائلة العقوبات، بينما لا يجد تفسيراً حين تدفع المؤسسة ملايين الدراهم بسبب أخطاءها الخاصة.
التواصل ليس بلاغاً يُرسل مساء الأحد، وليس حملة علاقات عامة، بل هو التزام أخلاقي قبل أن يكون وظيفة إدارية. وعندما يتحول التواصل إلى أداة لإخفاء الأسئلة بدل الإجابة عنها، فإنه يصبح عبئاً إضافياً على المؤسسة، لا وسيلة لإنقاذ صورتها. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط لماذا دفعت الشركة 50 مليون درهم، بل لماذا يصر المسؤولون على تجاهل حق المواطنين في معرفة الحقيقة.
الصمت لا يلغي الوقائع، والبلاغات الفارغة لا تمحو الأرقام، وكل محاولة للهروب إلى الأمام تزيد من اتساع فجوة الثقة بين المؤسسة وساكنة جهة الدار البيضاء سطات. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، ينتظر الرأي العام جواباً واضحاً من يوسف التازي: من يتحمل مسؤولية هذا النزيف المالي؟ ولماذا يُطلب من المواطنين أداء المزيد بينما تعجز المؤسسة عن تدبير التزاماتها الأساسية؟ لأن التواصل الأعمى قد يؤجل الأزمة، لكنه لا يمنع انفجارها.


