مجتمع

“هبط الريدو”..امهيدية يغلقُ الدار البيضاء في 11 ليلاً

منذ أسابيع، بدأ سكان مدينة الدار البيضاء يلاحظون مشهداً غير مألوف في العاصمة الاقتصادية للمملكة: شوارع تنطفئ تدريجياً قبل منتصف الليل، محلات تُسدل ستائرها الحديدية تباعاً، ومقاهٍ ومطاعم تُنهي نشاطها عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بالضبط، باستثناء صيدليات الحراسة وبعض الحالات المحدودة.

رصد موقع “زون24” هذا الإغلاق الجماعي في عدد من المحاور الحيوية، من وسط المدينة إلى الأحياء التجارية الكبرى، حيث تحوّل توقيت 23:00 إلى خط فاصل واضح بين مدينة نابضة بالحياة ومدينة تدخل فجأة في حالة صمت ليلي شبه كامل.

البعض اعتبر الأمر “إنجازاً أمنياً” يُحسب لوالي جهة الدار البيضاء – سطات محمد امهيدية، في إطار إعادة فرض النظام العام والحد من الفوضى الليلية. غير أن القراءة القانونية للواقع تكشف أن ما يجري ليس قراراً استثنائياً ولا إصلاحاً بنيوياً، بل مجرد تطبيق حرفي لقرار عاملي عادي يدخل ضمن الصلاحيات الإدارية التقليدية للسلطة الترابية.

فالقرار العاملي المنظم لأوقات فتح وإغلاق المحلات التجارية والمهنية والمقاهي والمطاعم داخل نفوذ عمالة مقاطعات الدار البيضاء – أنفا، يستند أساساً إلى القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، وإلى مقتضيات الحفاظ على النظام العام والسكينة العمومية. وينص بوضوح على تحديد ساعة الإغلاق القصوى في 23:00 ليلاً، مع إمكانية منح رخص استثنائية لبعض الأنشطة وفق شروط محددة.

قانونياً، لا يحمل القرار أي طابع استثنائي. إنه آلية إدارية كلاسيكية تُستعمل منذ سنوات في عدد من المدن المغربية لتنظيم الزمن الحضري، وضبط التوازن بين النشاط الاقتصادي وراحة السكان. فالعامل، باعتباره ممثلاً لوزارة الداخلية، يملك سلطة إصدار مثل هذه القرارات ذات القوة القانونية المحلية، ويُعهد بتنفيذها للسلطات المحلية والأمن الوطني، مع ترتيب عقوبات تبدأ بالإنذار والغرامة وقد تصل إلى الإغلاق الإداري.

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في النص القانوني، بل في طريقة تنزيله على الأرض.

فبينما التزمت أغلب المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية بقرار الإغلاق، ظل استثناء لافت يطرح أكثر من علامة استفهام: عدد من مقاهي الشيشة ما تزال تواصل نشاطها إلى ما بعد الساعة 23:00، بل إن بعضها يشتغل إلى ساعات متأخرة من الليل دون أي تدخل ظاهر.

المفارقة أن جزءاً مهماً من هذه المقاهي لا يتوفر أصلاً على رخص قانونية لممارسة نشاط الشيشة، إذ تعمل تحت غطاء “مقهى” أو “مطعم” فقط، بينما النشاط الحقيقي داخلها مختلف تماماً. وهو ما يطرح سؤال المساواة أمام القانون: لماذا يُطبق القرار بصرامة على محلات تحترم القانون، بينما تستمر أنشطة أخرى في العمل خارج الضوابط؟

مصادر مهنية تحدثت لـ”زون24″ عن حالة ارتباك وسط أرباب المقاهي النظامية الذين يعتبرون أنفسهم “الخاسر الأكبر” من التطبيق الانتقائي للقرار، حيث يتحملون كلفة الإغلاق المبكر وفقدان الزبائن، في مقابل منافسة غير قانونية تستفيد من التساهل أو من غياب المراقبة.

الأمر لا يتعلق فقط بتوقيت الإغلاق، بل بصورة السلطة نفسها. فنجاح أي قرار إداري لا يُقاس بعدد المحلات المغلقة، بل بدرجة العدالة في تطبيقه. وحين يشعر الفاعلون الاقتصاديون بأن القانون يُطبق على البعض دون الآخر، يتحول التنظيم إلى مصدر توتر بدل أن يكون أداة لضبط المجال العام.

الأكثر إثارة أن والي الجهة لا يتحدث رسمياً حول الموضوع. فلا بلاغات تفسيرية، ولا تواصل مباشر مع المهنيين أو الرأي العام يشرح خلفيات القرار وأهدافه وآليات تنزيله. هذا الصمت المؤسساتي يفتح الباب أمام التأويلات، ويحوّل قراراً إدارياً عادياً إلى نقاش عمومي واسع حول طبيعة المدينة التي يريدها المسؤولون.

هل الهدف هو إعادة الانضباط الليلي؟ أم تقليص الفوضى المرتبطة ببعض الأنشطة؟ أم مجرد حملة ظرفية لإظهار الحزم الإداري؟ أسئلة تبقى معلقة في غياب خطاب رسمي واضح.

الدار البيضاء، باعتبارها العاصمة الاقتصادية للمغرب، ليست مدينة تنام باكراً بطبيعتها. فهي فضاء اقتصادي وسياحي وثقافي يعيش على الإيقاع الليلي بقدر ما يعيش على النشاط النهاري. لذلك فإن أي قرار يمس الزمن الحضري يحتاج إلى رؤية متكاملة تراعي الأمن والاقتصاد معاً، بدل الاكتفاء بمنطق “هبط الريدو” كحل سريع.

في النهاية، ما يحدث اليوم ليس ثورة تنظيمية ولا تحولاً عميقاً في تدبير المدينة، بل تفعيل لقرار عاملي يمنحه القانون قوة محلية واضحة. غير أن التحدي الحقيقي أمام السلطات ليس إصدار القرارات، بل ضمان تطبيقها بشكل عادل وشفاف، لأن المدينة التي تُغلق أبوابها عند 11 ليلاً لا يمكن أن تستمر بمنطق الاستثناءات الصامتة.

فالقاعدة في دولة القانون بسيطة: إمّا أن يُغلق الجميع… أو أن يبقى السؤال مفتوحاً حول من يقرر فعلاً متى تنام الدار البيضاء.