مقاهي الشيشة بالدار البيضاء..نشاط بلا رخصة وفضاءٌ للتحرش بالقاصرات

في قلب مدينة الدار البيضاء، حيث يفترض أن تشكل المقاهي فضاءات للراحة واللقاء الاجتماعي، تنمو ظاهرة مقلقة بعيداً عن أعين المراقبة الفعلية، وتتعلق بانتشار مقاهي الشيشة التي تشتغل خارج الضوابط القانونية، وتتحول في كثير من الحالات إلى فضاءات رمادية تختلط فيها التجارة غير المرخصة باستغلال هشاشة القاصرات وتعريضهن لمضايقات وسلوكات خطيرة.
تحقيق صحفي أنجزه فريق موقع “زون24” على مدى أسابيع، كشف معطيات صادمة حول عشرات المحلات المنتشرة خصوصاً بعين الذئاب ووسط المدينة وشارع السلاوي، حيث تقدم هذه الفضاءات نفسها رسمياً كمقاهٍ أو مطاعم عادية، بينما نشاطها الحقيقي يقوم أساساً على تقديم الشيشة بشكل يومي ومنظم، دون التوفر على الرخص القانونية المطلوبة.
خلال جولات ميدانية متفرقة، وقف فريق الجريدة على نمط متشابه تقريباً في أغلب هذه الأماكن: واجهات عادية، لافتات تحمل أسماء مقاهٍ عصرية، قوائم طعام محدودة، لكن داخل الفضاء تتغير الصورة بالكامل. أضواء خافتة، موسيقى صاخبة، وستائر تحجب الرؤية عن الخارج، مع انتشار طاولات مخصصة للشيشة تشكل النشاط الرئيسي للمحل.
مصادر مهنية أكدت أن عدداً مهماً من هذه المقاهي حصل على رخص كمقاهٍ أو مطاعم فقط، في حين أن تقديم الشيشة يتطلب مساطر خاصة واحترام شروط صحية وأمنية دقيقة، وهو ما لا يتوفر في أغلب الحالات. بل إن بعض المحلات، حسب ما عاينه التحقيق، لا تتوفر حتى على الحد الأدنى من شروط السلامة أو مراقبة أعمار الزبناء.
محمد، وهو شاب يشتغل سائق تطبيقات نقل، روى لفريق التحقيق مشاهد تتكرر يومياً قائلاً إن بعض هذه المقاهي تستقبل فتيات صغيرات السن بشكل لافت، مضيفاً أن “العديد منهن يظهرن بوضوح كقاصرات، يدخلن دون أي مراقبة أو سؤال عن السن”. ويؤكد محمد أن بعض الزبائن يتعاملون مع المكان وكأنه فضاء مفتوح للمغازلة العدوانية والمضايقات المستمرة.
مصطفى، الذي اشتغل سابقاً نادلاً في أحد مقاهي الشيشة بعين الذئاب، قدم شهادة أكثر صراحة. يقول إن إدارة المقهى كانت تفضل حضور الفتيات الصغيرات لأن ذلك “يجذب الزبائن ويرفع رقم المعاملات”، مضيفاً أن العاملين كانوا يتلقون تعليمات غير مباشرة بعدم التدخل في حالات التحرش ما لم تتطور إلى شجار علني قد يستدعي تدخل الأمن.
أما نجاة، وهي طالبة جامعية، فتحدثت عن تجربة شخصية وصفتها بـ”الصادمة”، بعدما تعرضت لمضايقات لفظية متكررة من مجموعة شبان أثناء جلوسها مع صديقتها داخل أحد المقاهي بوسط المدينة. تقول إن العاملين بالمقهى لاحظوا الأمر لكنهم تجاهلوه، بل إن أحدهم نصحها بتغيير الطاولة بدل تنبيه المتحرشين.
شهادة حفيظة، وهي أم لفتاة قاصر تبلغ 16 سنة، تكشف جانباً آخر من المشكلة. فقد اكتشفت أن ابنتها كانت تتردد على أحد مقاهي الشيشة رفقة صديقاتها دون علم الأسرة. تقول الأم إن الصدمة لم تكن فقط في وجود القاصرات داخل فضاء يقدم الشيشة، بل في طبيعة الأجواء التي وصفتها بأنها “لا تناسب إطلاقاً أعمارهن ولا سلامتهن النفسية”.
محسن، أحد سكان منطقة شارع السلاوي، أكد أن السكان قدموا شكايات متكررة بسبب الضجيج الليلي والتجمعات المشبوهة أمام بعض المقاهي، موضحاً أن النشاط الحقيقي يبدأ بعد منتصف الليل، حيث تتحول بعض المحلات إلى فضاءات شبه مغلقة تستقطب فئات مختلفة دون أي مراقبة فعلية.
منال، شابة كانت تشتغل لفترة قصيرة مضيفة استقبال بأحد هذه الفضاءات، قالت إن الإدارة كانت تشجع على خلق أجواء توصف بـ”الحيوية” لجذب الزبناء، وهو ما كان يعني عملياً غض الطرف عن تصرفات غير لائقة. وتؤكد أن العاملات أنفسهن كن عرضة أحياناً لتعليقات مسيئة دون وجود حماية حقيقية لهن.
المثير في نتائج التحقيق أن عدداً من هذه المقاهي يشتغل في مواقع معروفة وحيوية دون أن يثير ذلك تدخلاً صارماً، رغم وضوح النشاط الفعلي للمحلات. فالفارق بين الرخصة القانونية والنشاط الواقعي أصبح، وفق مصادر مهنية، أحد أبرز مظاهر التحايل الإداري داخل القطاع.
كما لاحظ فريق التحقيق غياب أي آليات واضحة لمراقبة أعمار الزبناء، حيث لا يُطلب في أغلب الحالات الإدلاء ببطاقة التعريف، ما يسمح بولوج القاصرات بسهولة إلى فضاءات يفترض قانوناً أن تكون خاضعة لقيود صارمة بسبب طبيعة الخدمات المقدمة فيها.
خبراء اجتماعيون يعتبرون أن خطورة الظاهرة لا تتوقف عند الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى آثار اجتماعية ونفسية عميقة، إذ تتحول هذه الفضاءات إلى بيئات قد تشجع على التطبيع مع سلوكات قائمة على الاستغلال الرمزي أو الضغط الاجتماعي على الفتيات الصغيرات.
ويرى متتبعون أن توسع نشاط الشيشة خارج الإطار القانوني يعكس ضعف التنسيق بين الجهات المكلفة بالمراقبة، من سلطات محلية ومصالح صحية وأمنية، في ظل اقتصاد ليلي يتوسع بسرعة داخل العاصمة الاقتصادية دون مواكبة تنظيمية حقيقية.
التحقيق الذي أنجزه فريق “زون24” يكشف في النهاية أن الظاهرة لم تعد حالات معزولة، بل تحولت إلى نشاط شبه منظم يستفيد من ثغرات قانونية ورقابية، بينما تبقى الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها القاصرات، أولى ضحايا هذا الفراغ التنظيمي.
وبين واجهات مقاهٍ عادية تخفي واقعاً مختلفاً في الداخل، وأسئلة متزايدة حول دور المراقبة وحماية القاصرين، يظل الملف مفتوحاً على ضرورة تدخل حازم يعيد ضبط هذا القطاع ويضمن أن تظل الفضاءات العمومية أماكن آمنة لجميع المواطنين، لا مناطق رمادية خارج القانون.


