السلطة الرابعة

الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة..جيل جديد في الواجهة

في عالم يتسارع إيقاعه بشكل غير مسبوق، لم يعد الإعلام مجرد قناة لنقل الخبر، بل تحول إلى قوة ناعمة تصنع الرأي وتوجهه، وإلى ساحة تنافس مفتوحة تتحكم فيها التكنولوجيا وتعيد تشكيلها المنصات الرقمية باستمرار. ضمن هذا التحول العميق، تجد الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة نفسها أمام اختبار حقيقي: إما أن تنخرط بوعي وجرأة في دينامية التجديد، أو أن تترك موقعها يتآكل في مشهد لا يرحم المترددين.

في هذا السياق، لا يمكن فصل التعيينات الأخيرة داخل المؤسسة عن هذا الوعي المتنامي بضرورة التغيير، فهي ليست مجرد حركة إدارية عابرة، بل تعبير عن إرادة لإعادة ترتيب مراكز القرار، عبر إسناد المسؤولية إلى جيل جديد من الكفاءات الشابة، القادرة على فهم تحولات المرحلة، والتفاعل معها بعقلية منفتحة وروح مبتكرة.

لقد شكل تعيين سعد اشهبور، منذ ما يزيد عن سنة، على رأس مديرية الموارد البشرية، إحدى أولى اللبنات في هذا المسار، حيث لم يكن الاختيار تقنيًا فقط، بل حمل في طياته إشارات واضحة نحو إرساء ثقافة تدبيرية حديثة، تعيد الاعتبار للعنصر البشري وتجعله في صلب أي مشروع إصلاحي.

وعلى المنوال نفسه، جاء تكليف بادا عليوا بشكل رسمي بإدارة قناة العيون بعد سنوات عدة من الممارسة الإدارية شبه الرسمية، في خطوة تعكس الثقة في الكفاءات الجهوية الشابة، وقدرتها على الربط بين الخصوصي والمحلي من جهة، والرؤية الوطنية من جهة أخرى.

هذا النفس الإصلاحي سرعان ما اتسع، ليشمل مجالات أخرى، حيث شهدت القناة الرياضية بدورها تعيين عبد الهادي رازقوا مديرًا لها، خلفًا لحسن بوطبسيل الذي وصل سن التقاعد(يقضى ما تبقى من فترة التمديد في دوزيم)، في انتقال يعكس منطق الاستمرارية عبر التجديد، خصوصًا في قطاع يتطلب مواكبة دقيقة لتطورات متسارعة في صناعة المحتوى الرياضي والإخباري ، على غرار مديرية الاخبار ، التي برز فيها إدريس الإدريسي كأحد الوجوه التي نجحت، منذ توليه المسؤولية، في إحداث تحول ملموس، عبر تحديث المقاربة الإخبارية وفرض إيقاع مهني أقرب إلى انتظارات الجمهور في استثمار موفق لكل موارد المديرية.

ويمتد هذا التحول بشكل متدرج إلى مديرية الإنتاج والبرامج، حيث يعكس تعيين أيوب العياسي للإشراف على البرامج الثقافية وعيًا متزايدًا بأهمية الثقافة في تجديد العرض الإعلامي وإعادة توازنه بمنطق التكوين والممارسة الدقيقة، ويأتي ذلك في انسجام مع الرؤية التي يقودها عمر الرامي، المدير المركزي للإنتاج والبرامج، والذي يجسد نموذج التمرس والكفاءة التي تدرجت داخل المؤسسة واكتسبت شرعيتها من التجربة والتراكم والثقة الإدارية الأسمى.

وبالقرب من القناة الأولى، يواصل عبد الرحمان الناجي ترسيخ نموذج المدير الشاب، القادر على الجمع بين الدينامية والنجاعة في تدبير قناة إخبارية .

غير أن قيمة هذه التحولات لا تختزل في الأسماء بقدر ما تتجلى في ما تعكسه من انتقال هادئ،ولكنه عميق في فلسفة التدبير. فالمؤسسة بدأت، تدريجيًا، تغادر منطق المحافظة الذي يقوم على إعادة إنتاج نفس الأساليب، نحو منطق المبادرة الذي يفتح المجال أمام التجديد والابتكار، ويعيد الحيوية إلى آلة إعلامية أرهقتها التحولات المتسارعة وتغيرات الذوق العام.

اليوم، لم يعد ممكنًا تطوير المحتوى دون تطوير من يقف وراءه، ولا تحديث الوسائل دون تجديد العقليات التي تديرها. فالإعلام العالمي يعيد تعريف نفسه باستمرار، بوتيرة تفرض على الجميع مواكبتها، فيما تجد المؤسسات التي تتأخر عن هذا الركب نفسها خارج دائرة التأثير.

لذلك، فإن تشبيب المسؤوليات داخل الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لا يجب أن يُنظر إليه كخيار مرحلي، بل كمسار استراتيجي ممتد، يهدف إلى إعادة بناء التوازن داخل المؤسسة.

ومع ذلك، فإن هذا المسار، رغم زخمه، لا يزال في حاجة إلى تعميق وتوسيع، خاصة في بعض القنوات التي لم تنخرط بعد بشكل كامل في هذه الدينامية، وعلى رأسها القناة الأمازيغية، التي تظل في حاجة إلى نفس جديد يعيد إليها بريقها ويمنحها المكانة التي تستحق داخل المشهد السمعي البصري الوطني.

إن الرهان اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بتغيير الوجوه، بل بإعادة صياغة منطق اشتغال متكامل، يجعل من الكفاءة معيارًا حاسمًا، ومن الجرأة في اتخاذ القرار ضرورة، ومن الانفتاح على التحولات شرطًا أساسيًا للاستمرار. فإما أن تتحول هذه الدينامية إلى ثقافة مؤسساتية راسخة متطورة ومندمجة ، أو أن تظل مجرد مبادرات ظرفية سرعان ما تفقد أثرها.

وفي نهاية المطاف، وفي عالم إعلامي لا يعترف إلا بمن يسبق لا بمن يلحق، يصبح ضخ دماء جديدة ليس خيارًا إصلاحيًا فحسب، بل رهانًا حاسمًا لضمان الاستمرارية والقدرة على التموقع في مستقبل إعلامه لاينتظر احدا .