بيئة وعلوم

حسنة كجي..العدّ العكسي للنهاية

ما يجب أن تتذكّره حسنة كجي، عميدة كلية العلوم القانونية والسياسية، في الأسابيع القليلة المتبقية من ولايتها، أن السلطة الأكاديمية ليست منصباً دائماً، وأن الزمن الجامعي لا يعترف إلا بالحصيلة. ولعل أفضل توصيف للحظة الراهنة ما قاله نجم العيطة حجيب في إحدى روائعه الخالدة: “كل من طلع آ سيدي دابا ينزل”؛ وهي عبارة تختصر اليوم مساراً كاملاً من الصعود السريع الذي أعقبه سقوط مهني وأخلاقي وسيكون له موعد قريب مع النهاية مطلع شهر يونيو المقبل.
القادمة من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية عين الشق لم تكن اسماً وازناً داخل شعبة القانون العام. بل إن واقع الحال، كما يتذكره الأساتذة والطلبة، أنها كانت ضمن الأسماء التي عاشت التهميش الأكاديمي لسنوات، قبل أن تتدخل أقلام صحفية وتفتح النقاش حول الإقصاء داخل الشعبة، ليتم رفع ذلك التهميش عنها وتُمنح فرصة إعادة التموضع داخل المؤسسة الجامعية، قبل أن تصبح رئيسة شعبة في مسار وصفه كثيرون بأنه لم يكن نتاجاً طبيعياً لمسار علمي متراكم بقدر ما كان نتيجة توازنات ظرفية.
لكن التحول الحقيقي بدأ عندما انتقلت إلى كلية العلوم القانونية والسياسية، انتقالٌ اعتبره عدد من الفاعلين الجامعيين أشبه بوصول مفاجئ إلى موقع لم يسبقه بناء إداري أو أكاديمي متين، وكأنها جاءت ـ بتعبير متداول داخل الكلية ـ “بويا الغليمي بلا ما تطلب التسليم”. منذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة كان يُفترض أن تؤسس لإصلاح إداري وعلمي، غير أن ما حدث كان العكس تماماً.
فترة توليها العمادة اتسمت، حسب شهادات متقاطعة داخل المؤسسة، بفشل واضح في تدبير الملفات الكبرى. أولى هذه الإشكالات تجلت في الإصرار غير المفهوم على الاعتماد شبه المطلق على كاتبها العام، رغم ما يُتداول داخل الأوساط الجامعية عن سجل إداري مثقل بالاختلالات وسوء التدبير في تجارب سابقة. هذا الاختيار لم يكن مجرد خطأ تقديري، بل تحوّل إلى مركز ثقل عطّل المؤسسة وأدخلها في صراعات داخلية غير مسبوقة.
الكلية التي كان يُفترض أن تكون فضاءً للإنتاج العلمي والنقاش الأكاديمي تحولت، خلال هذه المرحلة، إلى فضاء للتوتر الدائم، حيث تصاعدت شكاوى الأساتذة والطلبة بشأن غياب الحكامة، وتراجع التواصل الداخلي، وانهيار الثقة بين الإدارة ومكونات المؤسسة. فبدل ترسيخ الشفافية، ساد منطق التدبير المغلق، وبدل تشجيع الكفاءات، برزت اتهامات بالمحاباة وإقصاء الأصوات المنتقدة.
الأخطر من ذلك، أن ملفات حساسة ظلت عالقة دون معالجة حقيقية، وعلى رأسها القضايا المرتبطة بما يُعرف داخل الوسط الجامعي بفضائح “الجنس مقابل النقط” و”المال مقابل النقط”. ورغم خطورة هذه الملفات على صورة الجامعة العمومية ومصداقيتها، فإن طريقة التعاطي معها وُصفت بالتردد والتستر بدل الحسم والمسؤولية، وهو ما عمّق الشعور بأن المؤسسة تُدار بمنطق تجنب الأزمات لا مواجهتها.
كما طفت على السطح اتهامات مرتبطة بالتزوير وسوء تدبير بعض المساطر الإدارية، في وقت كانت الكلية في حاجة إلى قيادة قادرة على استعادة هيبة المؤسسة لا الدخول في دوامة الشبهات. النتيجة كانت واضحة: تراجع الإشعاع الأكاديمي، احتقان داخلي، وتآكل صورة العمادة لدى الرأي الجامعي.
اليوم، ومع اقتراب نهاية الولاية، لم يعد السؤال داخل الكلية متى ستنتهي المرحلة، بل ماذا ستترك خلفها. فالمناصب تزول، لكن الذاكرة المؤسساتية لا تنسى. والأساتذة الذين تابعوا التجربة من بدايتها يرون أن اللحظة الحالية ليست سوى نهاية منطقية لمسار لم يُبنَ على رؤية إصلاحية واضحة، بل على حسابات ظرفية سرعان ما اصطدمت بواقع الجامعة وتعقيداتها.
الجامعة المغربية، التي تعيش أصلاً ضغط الإصلاحات وتحديات الجودة والتنافسية، لم تعد تحتمل تجارب تدبيرية مرتبكة. فالعمادة ليست امتيازاً شخصياً، بل مسؤولية ثقيلة تُقاس بقدرتها على حماية سمعة المؤسسة وصون كرامة الطلبة والأساتذة معاً.
قد تغادر حسنة كجي مكتب العميد بعد أسابيع قليلة، لكن ما سيبقى هو السؤال الصعب: هل كانت هذه المرحلة فرصة ضائعة لإصلاح مؤسسة جامعية واعدة، أم درساً جديداً يؤكد أن الصعود السريع دون قاعدة صلبة ينتهي دائماً بنفس الخلاصة التي غناها حجيب قبل سنوات… كل من صعد، لا بد أن ينزل؟