بلا قيود

الحكم الذاتي بين منطق الدولة وفرصة المصالحة المغاربية

يُعدّ مقترح الحكم الذاتي من بين أكثر المشاريع السياسية التي تختبر نضج الدولة وقدرتها على التوفيق بين وحدة التراب الوطني وتوسيع هامش التدبير المحلي. فهو ليس تنازلًا عن السيادة، بل صيغة متقدمة من صيغ تنظيمها، حين يُؤطر بدستور واضح، ومؤسسات قوية، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

من حيث الفرص، يمكن للحكم الذاتي أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية السياسية والاقتصادية. إذ يسمح بتعزيز المشاركة المواطنة، وتقريب القرار من الفاعلين المحليين، وتحقيق نجاعة أكبر في تدبير الموارد. التجارب المقارنة، كما هو الحال في كندا مع مقاطعة كيبك، أو في المملكة المتحدة مع اسكتلندا، تؤكد أن توسيع الصلاحيات الجهوية يمكن أن يعزز الاستقرار إذا ظل مندرجًا ضمن سيادة الدولة ووحدة مرجعيتها القانونية.

غير أن الوجه الآخر للصورة يكمن في المخاطر المحتملة، وعلى رأسها ازدواجية الشرعية. فإذا لم يكن مصدر السلطة محددًا بدقة، وإذا لم تُحسم العلاقة بين المركز والجهة بنصوص دستورية قطعية، فقد ينشأ تنازع في الاختصاصات يتحول تدريجيًا إلى تنازع في المشروعية. لذلك، فإن الاحتياط من ازدواجية الشرعية يقتضي وضوحًا في توزيع السلط، وآليات تحكيم دستورية فعالة، وثقافة سياسية تؤمن بوحدة الدولة قبل أي اعتبار آخر.

كما أن مسألة رفض أي آلية دولية أو رقابة خارجية للتدخل في الحكم الذاتي تظل من صميم منطق السيادة. فالتدبير الذاتي، إن تم إقراره، ينبغي أن يكون شأنًا داخليًا خالصًا، تُراقبه المؤسسات الوطنية وحدها. إن تجارب مناطق خضعت لإشراف دولي طويل الأمد أظهرت أن الحلول المفروضة من الخارج غالبًا ما تفتقر إلى الاستدامة، لأنها لا تنبع من توافق وطني حقيقي.

غير أن السؤال السياسي الأعمق يتمثل في البيئة الإقليمية المحيطة بالمشروع. هل يمكن للحكم الذاتي أن يحقق أهدافه كاملة في ظل استمرار التوتر بين المغرب والجزائر؟ من الصعب تصور نجاح أي مبادرة استراتيجية كبرى في مناخ إقليمي متوتر، حيث تتغذى الشكوك المتبادلة وتتصاعد الحملات الإعلامية والسياسية.

إن استمرار الجمود في العلاقات الثنائية لا يضر فقط بالمشاريع السياسية الكبرى، بل ينعكس أيضًا على تعطيل حلم التكامل الذي تأسس عليه اتحاد المغرب العربي. وقد أثبتت التجربة أن غياب الثقة السياسية يحرم شعوب المنطقة، خصوصًا الشباب، من فرص هائلة في الاستثمار والتبادل العلمي والاقتصادي.

من هنا، يبدو أن تطبيع العلاقات بين الرباط والجزائر لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة استراتيجية. فالتقارب لا يعني التطابق في المواقف، لكنه يفتح المجال لإدارة الخلافات بالحوار بدل القطيعة. كما أنه يمنح أي مشروع للحكم الذاتي فرصة أكبر للنجاح، لأنه يُخرجه من دائرة التوظيف الإقليمي إلى أفق الحل الوطني المسؤول.

إن اللحظة الراهنة تفرض الانتقال من منطق الصراع الصفري إلى منطق المصالح المشتركة. فالدول القوية هي التي تملك شجاعة إعادة ترتيب أولوياتها وفق ما يخدم شعوبها، لا ما يكرّس حالة الاستنزاف المتبادل. والحكم الذاتي، إن أُريد له أن يكون حلًا مستدامًا، يحتاج إلى بيئة سياسية هادئة، وإلى إرادة مغاربية تعيد الاعتبار لمنطق التكامل بدل الانقسام.

قد يكون الوقت قد حان لفتح صفحة جديدة في العلاقات المغربية الجزائرية، صفحة عنوانها الحوار والتعاون، حتى يتحول الحكم الذاتي من ملف خلاف إلى جسر نحو استقرار إقليمي أوسع، يخدم الدولة ويحفظ كرامة الشعوب ويمنح الشباب أفقًا يستحقونه.