التجمع الوطني للأحرار..يومُ الحسم

يعيش حزب التجمع الوطني للأحرار، اليوم بالرباط، واحدة من أدق لحظاته التنظيمية والسياسية، مع انعقاد اجتماع حزبي مخصص لتلقي الترشيحات لخلافة عزيز أخنوش على رأس الحزب. لحظة ليست تقنية فقط، بل محمّلة بدلالات عميقة، لأنها تأتي في سياق اقتراب نهاية الولاية الحكومية، وفي ظل أسئلة كبرى حول الاستمرارية، والقيادة، وشكل المرحلة المقبلة.
هذا الاجتماع يُنظر إليه داخل الحزب وخارجه باعتباره “يوم الحسم”، ليس فقط على مستوى الأسماء، ولكن على مستوى التوجه العام: هل يختار التجمع الاستمرار في منطق القيادة القوية ذات الامتداد الحكومي والاقتصادي، أم يفتح الباب أمام نفس جديد يعيد ترتيب الأولويات ويُرمم العلاقة مع الرأي العام بعد سنوات من تدبير الشأن العام تحت ضغط الانتظارات الاجتماعية؟
مصدر قيادي في الحزب كشف أن محمد أوجار، وزير العدل الأسبق وأحد الوجوه البارزة داخل التجمع، ربط خلال الأيام الماضية اتصالات مكثفة مع قيادات وازنة داخل الحزب، بهدف تأمين دعم ترشحه لرئاسة الحزب. خطوة تعكس أن مرحلة الجسّ النبض قد انتهت، وأن منسوب الجدية في التنافس بلغ مستويات متقدمة. أوجار، بما راكمه من تجربة سياسية وحكومية وبرلمانية، يحاول تقديم نفسه كخيار قادر على ضمان الاستمرارية التنظيمية من جهة، وإعادة ضخ خطاب سياسي أكثر هدوءاً وتواصلاً من جهة أخرى.
لكن قراءة هذا الاستحقاق لا يمكن فصلها عن المرحلة التي قاد فيها عزيز أخنوش الحزب. فمنذ توليه رئاسة التجمع الوطني للأحرار، لم يعد الحزب مجرد فاعل انتخابي موسمي، بل تحوّل إلى قوة سياسية حاضرة بقوة في المشهد، حتى قبل الوصول إلى رئاسة الحكومة. اشتغل أخنوش على إعادة هيكلة التنظيم، وضخ موارد بشرية جديدة، وتحديث أدوات التواصل، بما جعل الحزب أكثر انتشاراً وتأثيراً في النقاش العمومي.
ومع قيادة الحكومة، بصم التجمع على دينامية غير معهودة، حاول من خلالها الدفاع عن حصيلة عمله عبر مفهوم “مسار الإنجازات”، وهو العنوان الذي رافق خطاب الحزب في السنوات الأخيرة. دينامية راهنت على تسويق الفعل الحكومي بلغة الأرقام والمشاريع، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإن لم تسلم هذه المقاربة من انتقادات حادة، سواء بسبب السياق الاجتماعي الصعب أو بسبب فجوة الثقة المتزايدة بين السياسة والمواطن.
اليوم، إذ يُفتح باب الخلافة، يجد الحزب نفسه أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على ما راكمه من قوة تنظيمية وانتخابية، وفي الوقت نفسه، القيام بنقد ذاتي حقيقي للمرحلة السابقة. فالتحدي لا يكمن فقط في اختيار اسم جديد، بل في تحديد أي تجمع وطني للأحرار نريد في المرحلة المقبلة: حزب إدارة واستقرار، أم حزب مبادرة سياسية جريئة قادرة على تجديد خطابها وأدواتها؟
الرباط، اليوم، ليست فقط مسرحاً لاجتماع حزبي، بل فضاء لقراءة مستقبل حزب لعب دوراً محورياً في السنوات الأخيرة. الأسماء ستُحسم، والتحالفات ستتضح، لكن الأهم هو ما بعد الحسم: كيف سيُدار الحزب؟ بأي نفس سياسي؟ وبأي علاقة مع المجتمع، في زمن لم يعد فيه الفوز الانتخابي وحده كافياً لضمان الشرعية السياسية؟
إنه يوم حاسم، ليس فقط للتجمع الوطني للأحرار، بل لجزء من المشهد السياسي المغربي، الذي يراقب عن كثب كيف تُدار لحظات الانتقال داخل الأحزاب الكبرى، وما إذا كانت ستتحول إلى فرصة للتجديد… أم مجرد إعادة ترتيب للوجوه.


