الراشدي و“باك صاحبي” في توزيع الإعلانات

علم موقع “زون24″ أن عبد الجبار الراشدي، كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، كُلّف من قبل نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال، بتدبير ملف الإعلانات الموجهة إلى وسائل الإعلام، في أفق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وحسب مصدر الجريدة، فإن هذا التكليف لم يكن تقنياً أو إدارياً صرفاً، بل انخرط منذ بدايته في منطق انتقائي أثار الكثير من علامات الاستفهام داخل الوسط الإعلامي.
ووفق المعطيات التي توصل بها زون24، فإن الراشدي اختار عدداً محدوداً من المؤسسات الإعلامية للاستفادة من هذه الإعلانات، دون الاعتماد على معايير مهنية واضحة من قبيل نسب القراءة، حجم الانتشار، الاستمرارية، أو التأثير الفعلي في الرأي العام. ويؤكد مصدر الجريدة أن منطق “باك صاحبي” والولاءات السياسية والشخصية كان حاضراً بقوة في عملية التوزيع، على حساب مؤسسات إعلامية مهنية، تشتغل بانتظام وتحترم أخلاقيات المهنة، لكنها لا تنتمي إلى دائرة القرب الحزبي أو الشخصي.
هذا الأسلوب في تدبير الإعلانات أعاد إلى الواجهة نقاشاً قديماً جديداً حول توظيف الإشهار الحزبي والعمومي كآلية للضبط السياسي، وليس كرافعة لدعم التعددية الإعلامية. فبدل أن تكون الإعلانات وسيلة لتقوية النسيج الإعلامي الوطني وضمان حد أدنى من العدالة بين المنابر، تتحول في مثل هذه الحالات إلى أداة مكافأة للبعض، وعقاب صامت للبعض الآخر.
عدد من المهنيين عبّروا، في اتصالات غير رسمية مع زون24، عن استيائهم من هذا التوجه، معتبرين أن ما يجري ينسف مبدأ تكافؤ الفرص، ويمس باستقلالية الإعلام، خاصة في سياق انتخابي يفترض فيه الحرص على الحد الأدنى من النزاهة والحياد. ويضيف هؤلاء أن الإشكال لا يكمن فقط في حرمان منابر بعينها من الإعلانات، بل في الرسالة السياسية التي يتم تمريرها: “من يصفق يُكافأ، ومن ينتقد يُقصى”.
الأكثر إثارة للانتباه، بحسب نفس المصادر، هو أن عبد الجبار الراشدي يشغل منصب كاتب دولة مكلف بالإدماج الاجتماعي، وهو قطاع يفترض فيه الاشتغال بمنطق الإنصاف، والعدالة، وإدماج الفئات الهشة والمهمشة. غير أن طريقة تدبيره لملف الإعلانات الإعلامية توحي، في نظر مهنيين، بمنطق معاكس تماماً، يقوم على الإقصاء والانتقاء الضيق، ما يطرح تساؤلات مشروعة حول حدود الفصل بين المسؤولية الحكومية والحسابات الحزبية.
في المقابل، يلتزم حزب الاستقلال، إلى حدود الساعة، الصمت إزاء هذه المعطيات، دون أي توضيح رسمي بخصوص المعايير المعتمدة في توزيع الإعلانات، أو الجهة التي تراقب هذا المسار. صمت يزيد من حدة الشكوك، خاصة وأن الحزب يقدم نفسه تاريخياً كمدافع عن المؤسسات، وعن الصحافة الوطنية، وعن التعددية السياسية والفكرية.
ويرى متتبعون أن استمرار مثل هذه الممارسات من شأنه أن يعمق أزمة الثقة بين الإعلام والأحزاب السياسية، في وقت يعاني فيه المشهد الحزبي أصلاً من عزوف المواطنين، وتراجع منسوب المصداقية. فالإعلام، مهما كانت ملاحظاتنا عليه، يظل شريكاً أساسياً في البناء الديمقراطي، وليس مجرد أداة للدعاية الموسمية.
إن أخطر ما في هذا الملف، وفق مصادر” زون24″، ليس فقط طريقة التوزيع، بل تحويل الإعلانات إلى “غنيمة انتخابية” تُوزع قبل الاستحقاقات، لضمان تغطية مريحة وخالية من الإحراج، بدل فتح نقاش عمومي حقيقي حول البرامج، والحصيلة، والبدائل السياسية. وهو ما يفرغ العملية الانتخابية من بعدها التنافسي، ويحولها إلى سباق غير متكافئ.
في المحصلة، يطرح ملف “إعلانات الراشدي” سؤالاً أكبر من الأشخاص: أي علاقة نريدها بين السياسة والإعلام؟ علاقة شراكة قائمة على الاحترام والاستقلالية، أم علاقة زبونية تُدار بمنطق “عطيني نعطيك”؟ سؤال سيظل مطروحاً بقوة، ما لم يتم القطع مع هذه الممارسات، وربط الإشهار العمومي والحزبي بقواعد شفافة، ومعلنة، وخاضعة للمساءلة.


