“الهدهد”.. شيخة زمانها

خطأٌ شائع أن تُحشر بعض الأسماء الفنية في خانة “الزمن الماضي”، فقط لأنها ارتبطت بأسماء كبيرة أو بمدرسة أصيلة. والشيخة هدى الخنيفرية واحدة من تلك الأسماء التي يظلمها هذا التصنيف الكسول، لأنها ببساطة فنانة من الحاضر، لا تزال شابة، حاضرة، وتمارس الرقص والغناء إلى اليوم.
هدى الخنيفرية ليست ذكرى ولا صورة مؤرشفة في ذاكرة العيطة، بل اسم قائم الآن، يتحرك فوق الركح، ويتفاعل مع الإيقاع والجمهور، بثقة من تعرف قيمتها الفنية. اشتغلت إلى جانب بدر أوعبي، أحوزار، والحسن الخنيفري، لا بوصفها تابعاً أو مكمّلاً، بل كعنصر فاعل داخل التجربة الفنية، يضيف لها بقدر ما يستفيد منها.
ما يميز الشيخة هدى هو أن رقصها ليس استعراضاً جسدياً فارغاً، بل قراءة دقيقة للإيقاع. كل حركة عندها محسوبة، كل خطوة في مكانها، وكل التفاتة لها معناها. هي راقصة دقيقة، راقصة “بالميليمتر”، تعرف متى تتحرك ومتى تتوقف، ومتى تترك للموسيقى أن تتكلم وحدها.
وفي زمن اختلط فيه الإيقاع بالفوضى، حافظت هدى الخنيفرية على خط فني واضح: احترام العيطة، احترام الجسد كأداة تعبير، واحترام الجمهور. لذلك ظل حضورها متماسكاً، بعيداً عن الابتذال، وقريباً من روح الفن الشعبي الأصيل.
“الهدهد” ليس لقباً جمالياً، بل توصيف فني دقيق: خفة، حضور، وانتقال سلس بين الإيقاعات، دون صخب أو افتعال. وهو ما يجعل الشيخة هدى شيخة زمانها فعلاً، لا لأنها تنتمي إلى الماضي، بل لأنها تنتمي إلى هذا الزمن، وتفرض نفسها فيه بجودة ما تقدمه.
الشيخة هدى الخنيفرية اليوم فنانة حاضرة، شابة، تتحرك على الركح بثقة، وتؤكد أن العيطة ليست تراثاً جامداً، بل فناً حياً يتجدد بأبنائه وبناته الحقيقيين.


