أخنوش لن يقود “الحمامة” في الولاية المقبلة

في مشهد حزبي مغربي طالما وُسم بحب الكرسي والسعي إلى تمديد الولايات والهيمنة على الأمانات العامة لأطول فترة ممكنة، يطلّ قرار عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، كاستثناء لافت يعيد النقاش حول أخلاقيات القيادة السياسية وحدودها الزمنية. فبينما اختارت أحزاب أخرى منطق “التمديد” — كما وقع أخيراً داخل الاتحاد الاشتراكي مع تمديد ولاية إدريس لشكر — أعلن أخنوش، بشكل واضح وصريح، نهاية رئاسته لحزب “الحمامة” وعدم ترشحه لولاية جديدة.
الإعلان لم يكن عابراً ولا ملتبساً. فقد جاء خلال لقاء تواصلي عقده أخنوش، اليوم الأحد بالرباط، مع مدراء نشر منابر إعلامية، حيث أكد أن ولايته ستنتهي بتنظيم مؤتمر وطني استثنائي الشهر المقبل، وأنه لن يترشح مرة أخرى لرئاسة الحزب. كما كشف أن المؤتمر سينعقد يوم 7 فبراير بمدينة الجديدة، وسيخصص لتجديد الهياكل وانتخاب رئيس جديد للتجمع الوطني للأحرار.
بهذا المعطى، يدخل الحزب مرحلة انتقالية دقيقة، لكنها — في نظر كثيرين — صحية وديمقراطية، لأنها تُنهي جدلاً قديماً حول “الزعيم الأبدي” داخل الأحزاب المغربية، وتفتح الباب أمام التداول الداخلي الحقيقي على القيادة.
أخنوش لم يكتف بالإعلان عن قراره، بل حرص على تأطيره سياسياً وأخلاقياً. فقد شدد على أن فكرته كانت دائماً ضد الترشح المفتوح، معتبراً أن الأفضل هو حصر مدة انتداب رئيس الحزب في ولايتين فقط، وهو ما ينسجم — كما قال — مع الفصل 34 من النظام الأساسي للحزب. بهذا المعنى، لم يقدم أخنوش نفسه كحالة استثنائية فوق القانون، بل كمن يلتزم حرفياً بروح النص التنظيمي ويترجمه إلى ممارسة سياسية.
وفي رده على فرضية بقائه رئيساً للحزب إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، قال أخنوش بوضوح: “يصعب أن أكون لمدة ستة أشهر فقط ويتغير بعدها الرئيس، هذه صورة ما مزياناش”، مضيفاً: “وصعب أيضاً ننجح ونمشي”. وهي عبارات تختصر إشكالاً لطالما تهربت منه القيادات الحزبية: هل القيادة تكليف مؤقت أم امتياز دائم؟
قرار أخنوش، في هذا السياق، لا يمكن فصله عن مسار الحزب خلال السنوات الأخيرة، ولا عن موقعه الحالي في تدبير الشأن العام. فالرجل الذي قاد “الأحرار” إلى صدارة المشهد الانتخابي، وتولى رئاسة الحكومة، كان بإمكانه — من حيث التوازنات السياسية — أن يسلك طريق التمديد أو التأجيل أو “الاستثناء التنظيمي”. لكنه اختار عكس ذلك تماماً: احترام القانون الداخلي، وتقديم صورة مختلفة عن القيادة.
هذه الخطوة يمكن اعتبارها، دون مبالغة، من أهم الخطوات التي يقدم عليها قائد سياسي في المغرب خلال السنوات الأخيرة. فهي تعكس احتراماً للقانون، واحتراماً للذات السياسية، قبل أن تكون احتراماً للمناضلين والرأي العام. كما أنها تضع باقي الأحزاب أمام مرآة محرجة: إذا كان حزب يقود الحكومة قادراً على تنظيم انتقال قيادي سلس، فلماذا تصرّ أحزاب أخرى على إنتاج نفس الوجوه ونفس القيادات لعقود؟
الأهم من ذلك، أن هذا القرار يفتح نقاشاً أوسع حول الديمقراطية الداخلية، ليس كشعار انتخابي، بل كممارسة يومية داخل التنظيمات الحزبية. فالديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع العامة، بل تبدأ من داخل الحزب، من احترام الولايات، وتجديد النخب، وإتاحة الفرصة لأجيال جديدة لتحمل المسؤولية.
في المحصلة، أخنوش لن يقود “الحمامة” في الولاية المقبلة، لكن أثر هذا القرار قد يتجاوز حزب التجمع الوطني للأحرار نفسه. إنه اختبار حقيقي لمدى استعداد الأحزاب المغربية للقطع مع منطق “الزعيم الدائم”، والانتقال إلى ثقافة التداول والمسؤولية المحددة زمنياً. أما إن ظلّ هذا القرار حالة معزولة، فستبقى الديمقراطية الحزبية في المغرب عنواناً جميلاً بلا مضمون.


