الحكومة والبرلمان..أسلوبٌ تواصليٌّ جديدٌ

في خضم التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، تبرز اليوم مؤشرات على وعيٍ متزايدٍ بأهمية التواصل المؤسساتي، ليس فقط كآليةٍ لتدبير الصورة، بل كجسرٍ ضروريٍّ لتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. الحكومة المغربية، منذ مدة، تبذل جهداً واضحاً في تطوير أسلوبها التواصلي، بما يضمن تفاعلاً أكثر شفافية وفعالية مع الرأي العام، ويُسهم في تفسير القرارات والسياسات العمومية بوضوحٍ بعيدٍ عن الغموض والتأويلات.
هذا التحول لا يقتصر على البلاغات الرسمية أو الندوات الصحافية، بل يتعداه إلى انفتاحٍ مدروسٍ على وسائل الإعلام العمومية والخاصة، وإطلاق مبادراتٍ جديدةٍ من شأنها تقريب العمل الحكومي والبرلماني من المواطنين. فالحكومة اليوم تراهن على تواصلٍ مؤسساتيٍّ يُعبّر عن مبدأ “الحكامة في التواصل”، ويهدف إلى جعل المعلومة السياسية والبرلمانية في متناول الجميع، بشكل مهني ومسؤول.
وفي هذا الإطار، تأتي مبادرة بثّ برنامج “النقاش النيابي” على منصات وكالة المغرب العربي للأنباء، كمؤشرٍ على مرحلةٍ جديدةٍ من التفاعل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من جهة، والرأي العام من جهةٍ أخرى. هذا البرنامج، الذي يُعنى بتسليط الضوء على النقاشات البرلمانية والقضايا الراهنة، يفتح نافذةً مباشرةً أمام المواطن لمتابعة ما يدور تحت قبة البرلمان، بعيداً عن الانتقائية التي كثيراً ما تُميّز التغطيات الإعلامية التقليدية.
إن بثّ هذا النوع من البرامج عبر وكالةٍ رسمية بحجم وكالة المغرب العربي للأنباء يُعزّز مبدأ الشفافية البرلمانية، ويمكّن المتابعين من فهمٍ أعمقٍ للآليات الديمقراطية في البلاد. كما يُتيح للنواب والفاعلين السياسيين فرصة التعبير عن مواقفهم أمام الرأي العام، في فضاءٍ مؤسساتيٍّ منضبطٍ ومهنيٍّ، يُساهم في رفع منسوب النقاش العمومي المؤطر والرزين.
لقد أظهرت التجربة، أن ضعف التواصل بين المؤسسات السياسية والمجتمع كان لسنواتٍ طويلةٍ أحد أسباب فجوة الثقة، وأن معالجة ذلك تمرّ عبر مبادراتٍ جريئةٍ تعيد للمواطن الإحساس بالمشاركة والاطلاع. من هنا، فإن إطلاق “النقاش النيابي” يمثل خطوةً نوعية في مسارٍ أوسع من الإصلاحات التواصلية التي تقودها الحكومة بتنسيقٍ مع البرلمان ومؤسسات الإعلام الوطني.
ولعلّ الأهمية الكبرى لهذه التجربة تكمن في كونها تُعيد الاعتبار للنقاش السياسي الهادئ، البعيد عن الشعبوية والمزايدات، وتعطي للنائب البرلماني مكانته كممثلٍ حقيقيٍّ للأمة، يناقش القوانين والسياسات تحت مجهر المتابعة الشعبية. كما تتيح للحكومة عرض حصيلتها وتوجهاتها ضمن مناخٍ مؤسساتيٍّ يتّسم بالاحترام والتوازن.
إن المغرب اليوم، وهو يواصل مسار التحديث والإصلاح، في حاجةٍ إلى هذا النوع من التواصل الذي يُقوّي مؤسساته، ويُرسّخ ثقافة الحوار المسؤول بين الفاعلين السياسيين والإعلاميين. فـالتواصل الناجع ليس ترفاً سياسياً، بل شرطٌ أساسيٌّ لنجاح السياسات العمومية وترسيخ الديمقراطية التشاركية.
وهكذا، يبدو أن الحكومة والبرلمان معاً، بدعمٍ من الإعلام العمومي، بصدد رسم ملامح أسلوبٍ تواصليٍّ جديدٍ يعيد الاعتبار للكلمة، للنقاش، وللمسؤولية أمام المواطنين. خطوةٌ صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في دلالاتها، وقد تشكّل منعطفاً إيجابياً نحو تواصلٍ مؤسساتيٍّ أكثر نضجاً وانفتاحاً في مغرب اليوم.


