كيف يقود “البام” حملة تشهير ضد أخنوش؟

منذ أسابيع، تتصاعد في المشهد الإعلامي المغربي موجة من المحتويات الرقمية والفيديوهات والمقالات التي تهاجم رئيس الحكومة عزيز أخنوش، وتقدمه في صورة “رجل السلطة والمال” الذي يملك وسائل الإعلام ويسيطر على الاقتصاد والسياسة. غير أن التمحيص في مصدر هذا السيل من الحملات، وطبيعة المنابر التي تقودها، يكشف عن معطى مثير: جزء مهم منها تقوده، من وراء الستار، شخصيات وقيادات نافذة في حزب الأصالة والمعاصرة، المشارك نفسه في الائتلاف الحكومي.
من نقد مشروع إلى تشهير ممنهج
يقول منتقدو أخنوش إن الرجل “اشترى الصحافة برمتها”، وإنه “لجمها بالمال والإشهار”، لكن هذا الادعاء لا يصمد أمام الوقائع الاقتصادية والإعلامية. فالكثير من المؤسسات الصحافية المغربية كانت تتعامل مع هولدينغ “أكوا” منذ سنوات طويلة، أي قبل أن يصبح أخنوش وزيراً أو رئيساً للحكومة. في سوق الإشهار، حيث تعاني أغلب المقاولات الصحافية من ضعف المداخيل، تعتبر عقود الإعلانات التجارية ركيزة أساسية للاستمرار، وليست دليلاً على الولاء السياسي.
رغم ذلك، تحوّل النقاش المشروع حول علاقة المال بالإعلام إلى سلاح في معركة سياسية وإعلامية مركبة، هدفها الرئيسي ليس تقييم أداء رئيس الحكومة، بل تشويه صورته وضرب مصداقيته أمام الرأي العام. ومع تتبع خيوط هذه الحملات، يتضح أن جزءاً منها منظم وموجّه بدقة، ويتقاطع مع مصالح شخصيات داخل حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يعيش بدوره توترات داخلية بسبب التوازنات الدقيقة في الحكومة.
حرب باردة داخل الأغلبية
في ظاهر الأمور، يشارك حزب الأصالة والمعاصرة إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والاستقلال في تسيير الحكومة. لكن في العمق، يسود مناخ من المنافسة الخفية، خصوصاً بين قيادات في الحزبين الأولين. منذ تشكيل الحكومة، ظلّ البام يسعى إلى تثبيت موقعه كقوة سياسية مركزية، في حين احتفظ التجمع بقيادة المشهد الحكومي من موقع الصدارة. هذا التباين في الأدوار انعكس على العلاقات داخل الأغلبية، وتحول مع مرور الوقت إلى ما يشبه “حرباً باردة” بين مكونات الفريق الحكومي نفسه.
وفق معطيات جمعها موقع “زون24” خلال بحثه في الموضوع، فإن عدداً من الوجوه البارزة في حزب الأصالة والمعاصرة اختارت خوض معاركها التواصلية عبر واجهات إعلامية رقمية وشبكات اجتماعية، بدل التعبير السياسي المباشر. وزراء وقيادات ورؤساء جهات، وفق مصادر مطلعة، عمدوا إلى تمويل منصات إلكترونية وصفحات ومؤثرين، بعضهم من المال العام المخصص للتواصل المؤسساتي، من أجل تنفيذ حملات تهاجم رئيس الحكومة وأداء وزرائه المحسوبين على حزب التجمع الوطني للأحرار.
من المقال إلى الفيديو.. ومن الصحفي إلى المؤثر
لم تعد الحملات ضد أخنوش تقتصر على مقالات رأي في مواقع صغيرة أو منشورات معزولة. بل تحولت إلى شبكة متكاملة من المحتوى الموجه، تجمع بين مقالات إعلامية، ومقاطع بودكاست، وفيديوهات “تحليل سياسي”، وبوستات على “فيسبوك” و”إنستغرام”، وحتى حملات ممولة على “يوتيوب” وتطبيقات البودكاست.
تبدو الرسائل واحدة تقريباً: تصوير أخنوش كرجل يحتكر المال والإشهار والإعلام، يشتري الولاءات ويغلق المجال أمام المنافسة. أما المنصات التي تبث هذه الرسائل، فبعضها حديث النشأة، وبعضها الآخر تحول فجأة من محتوى اجتماعي إلى سياسي، في انسجام تام مع سردية واحدة.
الأدهى أن بعض الأسماء التي تتصدر المشهد الإعلامي المعادي لرئيس الحكومة راكمت خلال العامين الأخيرين ثروات سريعة بفضل هذا الخط التحريري الجديد. فبدل التحليل الرصين أو النقد المبني على الوقائع، تميل هذه المنابر إلى الخطاب الهجومي والتشهير، دون سند أو توثيق، ما يفقدها موضوعيتها ويحوّلها إلى أدوات في معركة سياسية لا علاقة لها بحرية الصحافة.
تورط عناصر من الإعلام العمومي
المعطيات التي حصل عليها موقع “زون24” تفيد أيضاً أن بعض العاملين في مؤسسات إعلامية عمومية دخلوا على الخط، بعد أن نسجوا علاقات خاصة مع وزراء ومسؤولين من حزب الأصالة والمعاصرة. هؤلاء، بحكم مواقعهم داخل قنوات وإذاعات عمومية، يمررون رسائل مبطنة أو يساهمون في بناء صورة سلبية عن رئيس الحكومة عبر انتقاء الضيوف، أو الزوايا التحريرية للبرامج السياسية.
هنا تصبح المسألة أخطر، لأنها تتجاوز حدود المنافسة السياسية المشروعة، إلى توظيف منصات الدولة في صراع حزبي داخلي. وهو سلوك يناقض مبادئ التعددية الإعلامية، ويضعف ثقة المواطن في الإعلام العمومي كفضاء محايد يفترض فيه خدمة المصلحة العامة.
المال السياسي في خدمة الحملات الرقمية
التحليل المالي لبعض هذه المنصات الرقمية يكشف نمطاً واضحاً في التمويل. فهناك مواقع إلكترونية صغيرة تحقق نسب مشاهدة ضعيفة، لكنها تستمر في الإنتاج اليومي لمحتويات احترافية، مع مصاريف تشغيل مرتفعة. كما تظهر حملات إشهار ممولة على مواقع التواصل الاجتماعي لصالحها، دون أن يكون لديها نشاط تجاري معروف. هذا يعني أن مصادر تمويلها لا تأتي من السوق، بل من قنوات غير معلنة.
وحسب مصادر متابعة لملف التواصل السياسي في المغرب، فإن جزءاً من هذه التمويلات يمر عبر وسطاء أو شركات علاقات عامة تربطها عقود مع مؤسسات ترابية أو وزارية يقودها وزراء من حزب الأصالة والمعاصرة. بمعنى آخر، المال العمومي المخصص للتواصل المؤسساتي، يُعاد توجيهه بشكل غير مباشر نحو حملات موجهة ضد رئيس الحكومة.
حين يتحول الحليف إلى خصم
اللافت أن هذه الحملات لم تنقطع حتى بعد التجانس الظاهر في خطاب الأغلبية الحكومية. فبينما يعلن قادة البام في المجالس الرسمية دعمهم للعمل الحكومي، تنشط أذرعهم الإعلامية في الخفاء لتقويض صورة رئيسها. هذا التناقض يعكس طبيعة العلاقة الملتبسة بين الحزبين: تحالف في الحكومة، وصراع على الزعامة في الميدان السياسي والتواصلي.
تبدو هذه “الحرب الباردة” نتيجة منطقية لتوازن القوى داخل الحكومة: فحزب التجمع الوطني للأحرار يمتلك رئاسة الحكومة وعدداً من الحقائب الإستراتيجية، بينما يسعى حزب الأصالة والمعاصرة لتأكيد حضوره كقوة موازنة.
ولأن الميدان السياسي مقيد بضوابط الأغلبية، فإن الميدان الإعلامي والرقمي صار الساحة المثلى لتصفية الحسابات.
تداعيات على المشهد الإعلامي والسياسي
تتجاوز تداعيات هذه الحرب التواصلية حدود الصراع بين حزبين، لتؤثر في صورة العمل الحكومي ككل. فحين يُنظر إلى مكونات الأغلبية على أنها تتبادل الاتهامات والتشهير، تضيع الرسائل الإصلاحية وتضعف ثقة المواطن في المؤسسات. كما أن استمرار هذا الوضع قد يدفع أطرافاً إعلامية أخرى إلى الاصطفاف وراء مصالح حزبية، ما يهدد استقلالية المهنة ويفتح الباب أمام “التمويل السياسي للإعلام”، في غياب إطار قانوني صارم يحدد العلاقة بين المال والسياسة والتواصل العمومي.
في النهاية، يطرح هذا التحقيق سؤالاً جوهرياً: من يراقب المال العمومي الموجه للتواصل؟ وهل يجوز أن يُستخدم في حملات تسيء إلى رئيس حكومة يقود نفس الأغلبية التي ينتمي إليها الممولون؟
ما يجري اليوم بين حزب الأصالة والمعاصرة وحزب التجمع الوطني للأحرار ليس مجرد اختلاف في الرؤى، بل صراع على الهيمنة الرمزية في المجال العام. صراع تُستخدم فيه أدوات الإعلام، ووسائل التواصل، ومؤثرون، وحتى موارد الدولة، لتصفية حسابات سياسية ضيقة.
وإذا كان رئيس الحكومة يواجه حملات التشهير بالصمت، فذلك لا يعفي الفاعلين المؤسساتيين من مسؤولية وضع حد لهذا الانزلاق، وإعادة الاعتبار لقواعد النزاهة والشفافية في التواصل العمومي. لأن المعركة، في النهاية، ليست فقط حول شخص أخنوش، بل حول مصداقية الدولة نفسها في إدارة المرفق العمومي للإعلام والتواصل.


