فوضى بمركز الدكتوراه بجامعة سطات وسط صمت الرئيس مكرم

تعيش جامعة الحسن الأول بسطات، في الآونة الأخيرة، على وقع فوضى عارمة داخل مركز الدكتوراه، حيث تتناسل الشكايات والاحتجاجات من قبل طلبة باحثين غاضبين من طريقة التدبير ومن غياب الشفافية في العديد من المساطر، وسط صمتٍ مثيرٍ من رئيس الجامعة، الدكتور ناصر مكرم، الذي يبدو وكأنه اختار سياسة “اللا تفاعل” مع أزمة آخذة في الاتساع.
فمنذ بداية الموسم الجامعي الحالي، بدأت مؤشرات الاختلال تظهر بشكل واضح داخل المركز، سواء على مستوى التأطير أو البرمجة أو الإعلان عن اللوائح، بل وحتى في طريقة التعامل مع الطلبة. تقارير غير رسمية تتحدث عن “تجاوزات إدارية” و”تمييز” في منح بعض الامتيازات دون أخرى، إلى جانب غموضٍ يلفّ معايير الانتقاء والتسجيل في سلك الدكتوراه، ما جعل عدداً من الطلبة يتحدثون عن “منطق الزبونية والمحاباة” بدل تكافؤ الفرص.
ويقول أحد الطلبة المسجلين في سلك الدكتوراه، في تصريح لموقع Zone24، إن “الوضع بلغ درجة من العبث لا يمكن السكوت عنها”، مضيفاً أن “الإدارة تتعامل بانتقائية، وبعض الأساتذة يتصرفون وكأنهم فوق القانون، في غياب أي تدخل من رئاسة الجامعة التي يبدو أنها تراقب من بعيد دون أن تحرك ساكناً”.
الفوضى لم تقف عند حدود التسيير الإداري، بل امتدت إلى البنية التنظيمية للمركز نفسه، حيث تتحدث مصادر أكاديمية عن تضارب في الاختصاصات بين منسقي المسالك والمجلس العلمي للجامعة، وغياب رؤية موحدة لتأطير البحث العلمي. هذا الارتباك جعل مجموعة من المشاريع البحثية عالقة منذ شهور، وأخرى متوقفة بسبب غياب قرارات الحسم من الإدارة.
الأدهى من ذلك، أن التواصل بين إدارة المركز والطلبة بات شبه منعدم. فالإعلانات تُنشر في آخر لحظة، والمراسلات تظل دون رد، والمواعيد تتغير دون إشعار مسبق. كل ذلك يعكس حالة من العشوائية التي تمسّ جوهر العمل الجامعي وتضرب في العمق مصداقية المؤسسة الأكاديمية المفترض أن تكون نموذجاً في الحكامة والمعرفة.
في المقابل، يلتزم رئيس الجامعة عبد اللطيف مكرم صمتاً مطبقاً إزاء ما يجري، وكأن الأمر لا يعنيه. هذا الصمت يطرح أكثر من علامة استفهام: هل هو تريث أم تواطؤ بالصمت؟ وهل تنتظر الرئاسة أن تنفجر الأزمة بشكل علني لتتحرك؟ أم أن هناك حسابات داخلية تجعل الرئيس يتجنب الدخول في مواجهة مع بعض الأطراف النافذة داخل المركز؟
أوساط جامعية ترى أن استمرار الفوضى بهذه الوتيرة قد يؤدي إلى فقدان الثقة في مؤسسة الدكتوراه بسطات، خاصة وأن الجامعة كانت إلى وقت قريب تُقدَّم كنموذج في تكوين الأطر العليا والبحث العلمي. اليوم، يبدو أن هذا الرصيد يتآكل أمام غياب القيادة الحازمة، وترك الأمور تسير بعقلية “دبّر راسك” التي لا تليق بمؤسسة علمية من هذا الحجم.
ويحذر أساتذة من أن الوضع الحالي يهدد مصداقية الشهادات الممنوحة، ويؤثر سلباً على سمعة الجامعة محلياً ووطنياً، داعين وزارة التعليم العالي إلى فتح تحقيق في ما يجري داخل مركز الدكتوراه بسطات، خاصة في ما يتعلق بالمساطر الداخلية، ومعايير الانتقاء، والعلاقة بين الإدارة والطلبة.
إن ما يحدث اليوم في جامعة الحسن الأول ليس مجرد “سوء تدبير عابر”، بل هو انعكاس لخلل هيكلي في المنظومة الجامعية التي ما تزال تعاني من ضعف الرقابة، وغموض المسؤوليات، وانعدام التواصل المؤسساتي. فحين يغيب صوت الرئيس، ويتحول المركز إلى فضاء للفوضى، فإن أول الخاسرين هو البحث العلمي، وأول المتضررين هم الطلبة الذين حلموا يوماً بأن تكون الجامعة محراباً للعلم، لا مسرحاً للتسيب.
لقد آن الأوان لأن يتحمل الرئيس مكرم معه مدير مركز الدكتوراه مسؤوليتهما الأخلاقية والمؤسساتية، ويخرج عن صمته لوضع حدّ لهذا الانفلات الذي يسيء إلى صورة الجامعة وإلى كل من يشتغل داخلها. فالمحاسبة والشفافية ليستا شعارات انتخابية، بل واجباً يومياً في خدمة المرفق الجامعي العمومي، حتى لا يتحول مركز الدكتوراه إلى عنوان لفوضى أكاديمية جديدة في سطات.


