حوارٌ صريحٌ دون تعليق النواقص على شماعات..اخنوش ينجح في خروجه الإعلامي

من يتأمل الحوار الأخير الذي أجراه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع قنوات القطب العمومي، يلمس بوضوح التحول الذي طرأ على أسلوب خطابه السياسي، بل يمكن القول إننا أمام نسخة متجددة لرئيس الحكومة، نسخة أكثر هدوءاً، أكثر ثقة، وأكثر إدراكاً لرمزية الموقع الذي يحتله.
لقد بدا أخنوش في تلك الساعة وستة عشر دقيقة، ليس مجرد مسؤول حكومي يدافع عن حصيلة أربع سنوات، بل كـ رجل دولة يسعى إلى إرساء نمط جديد في التواصل السياسي، يزاوج بين الصرامة المؤسساتية والانفتاح على الرأي العام.
أول ما يثير الانتباه هو أن أخنوش تخلص من لغة التبرير، ومن قاموس الاتهامات الذي طبع خطابات بعض أسلافه. لم نسمعه يختبئ خلف شماعة “الجهات المجهولة” ولا يستحضر “تماسيح وعفاريت”، بل تبنى خطاباً مسؤولاً يضعه في قلب الإنجاز والإخفاق معاً. هذا التحول يعكس انتقاله من موقع رجل الأعمال الذي يُدير بالأرقام والصفقات، إلى رجل الدولة الذي يُدبر بالتوازنات والمؤسسات.
التحول الثاني يبرز في قدرته على احتواء التوتر. فالرجل، الذي عُرف في بداياته الحكومية بنوع من الصمت الثقيل، صار يُجيد الرد بهدوء، ويُطفئ الأسئلة الملتهبة ببرودة أعصاب تحيل على ثقة راسخة في العمل المنجز. هنا نلمس نوعاً من النضج السياسي، حيث تحولت لغة الدفاع إلى لغة شرح وإقناع.
أما التحول الثالث فيتجلى في خطاب الوحدة والتشاركية. لم يتحدث عن نفسه كمنقذ وحيد، بل شدد على قوة وتماسك أغلبيته، معتبراً أن ما تحقق هو نتاج عمل جماعي. هذا الخطاب، الذي يبتعد عن الفردانية ويُقر بدور الحلفاء، يعكس إدراكاً بأن قوة المؤسسات في المغرب تنبني على الانسجام لا على البطولات الفردية.
ويظل لافتاً أيضاً أن أخنوش منح للمعارضة مكانتها الطبيعية. اعترافه بأدوارها الدستورية وتفاعله مع مقترحاتها التشريعية يكشف عن تطور في وعيه السياسي، فالمعارضة ليست خصماً في معركة صفرية، بل شريكاً في ضبط التوازن الديمقراطي.
أما في ما يخص العلاقة بوزارة الداخلية، فقد بدا واضحاً أن أخنوش سعى إلى إنهاء أي لبس أو توتر مصطنع. بتأكيده على حياد الداخلية ودورها المحوري في إعداد الاستراتيجيات الترابية، رسم صورة حكومة متماسكة لا يشق صفها تنافس داخلي.
لكن ربما أهم ما يميز هذا التطور في خطابه، هو تفريقه بين الأزمنة: الزمن الحكومي المحدود في خمس سنوات، والزمن الاستراتيجي الممتد الذي يقوده جلالة الملك. وهو حين تحدث عن مونديال 2030، لم يتعامل معه كحدث رياضي عابر، بل كمرحلة في مسار تنموي طويل الأمد، يُرسخ فكرة أن السياسات العمومية ليست رهينة الولاية الحكومية، بل جزء من بناء استراتيجي أكبر.
في المحصلة، خطاب عزيز أخنوش في حواره الأخير لا يعبّر فقط عن حصيلة منجزات، بل عن تحول في الأسلوب والمنهج. فمن رجل الأعمال الذي دخل السياسة محاطاً بالشكوك، إلى رئيس حكومة يُخاطب المغاربة بثقة رجل الدولة، نكون أمام مسار يُؤشر على نضج سياسي قد يُغير ملامح التواصل المؤسساتي في المغرب.


