السلطة الرابعة

أفضال شحتان وأرقام “شوف تيفي”

في زمنٍ يتداخل فيه الحقيقي بالزائف، وتتشابك فيه مهنة الصحافة مع موجات التواصل الاجتماعي الجارفة، يصبح من الصعب أن تجد من يضع المهنة في موقعها الأصلي: سلطة رابعة تراقب، تحاسب، وتدافع عن المظلومين. وفي خضم هذا المشهد المتشعب، يبرز اسم إدريس شحتان، الرجل الذي جرّب السجن قبل أن يجرب الشهرة، والذي اختار أن ينهل من المدرسة الكولومبية في الإعلام، بما تحمله من جرأة في الطرح، ومواجهة مباشرة مع قضايا المجتمع دون مواربة أو مجاملة.

اختيار مثل هذا النهج في بلدٍ كالمغرب، حيث نسب النفاق الاجتماعي والديني مرتفعة بشكلٍ مخيف، ليس بالأمر السهل. بل يتطلب شجاعة استثنائية، وإيماناً راسخاً بدور الصحافة، وقدرة على مواجهة حملات التشويه والإقصاء. تجربة شحتان، بما فيها من لحظات قاسية خلف القضبان، لم تكسر عزيمته، بل جعلته أكثر وفاءً لمهنته ولوطنه، وأكثر طموحاً في تطوير مشروع إعلامي يحاكي نبض الشارع ويستجيب لتطلعات المواطنين.

اليوم، صارت “شوف تيفي” أكثر من مجرد قناة إلكترونية. إنها علامة فارقة في المشهد الإعلامي المغربي والعربي والإفريقي. يمكن لأي متتبع أن يختار ما يشاء من تصنيف: محلي، إقليمي، أو حتى دولي. بالأرقام وحدها، تثبت القناة أنها ليست مجرد منصة رقمية عابرة، بل مؤسسة إعلامية لها جمهور واسع يتابعها بشغف. ملايين المشاهدات اليومية، حضور قوي في القضايا الساخنة، وانفرادات صحفية جعلتها مصدراً معتمداً للأخبار العاجلة والسكوبات.

هل أخطأت القناة يوماً في خبر؟ ربما. لكن، أي وسيلة إعلامية تخلو من الأخطاء؟ الفرق أن “شوف تيفي” لم تجعل من الكذب منهجاً ولا من التشهير بالناس سلعة لتسويق ذاتها. على العكس تماماً، ظلت متمسكة بقاعدة أن الخبر يجب أن يخدم الناس، وأن المهنة يجب أن تحمي المجتمع، لا أن تتلاعب بمصائره. وهذا سر من أسرار نجاحها واستمراريتها في سوقٍ إعلامي يتسم بالفوضى أحياناً والارتجال غالباً.

من بين أهم ما يميز “شوف تيفي”، أنها صارت مرجعاً للمواطن البسيط. في مرات كثيرة، حين يشعر أحدهم بالظلم أو الشطط في استعمال السلطة، نسمعه يقول: “والله حتى نجيب ليك شوف تيفي”. هذه العبارة وحدها تكشف عن موقع القناة في وجدان المغاربة: إنها صوت المقهورين، منبر المظلومين، وملجأ من لا صوت لهم. لقد نجحت في أن تكون سلطة مضادة، تسائل وتفضح وتكشف، في وقتٍ صمتت فيه بعض المنابر التقليدية أو تحولت إلى أبواق رسمية.

هذا النجاح لم يكن ليحدث لولا قيادة إدريس شحتان. فهو لم ينظر إلى القناة كأداة للربح فقط، بل اعتبرها قناة الشعب. هو مسيرها، لكنه ليس مالكها الوحيد. الجمهور شريك أساسي فيها. كل قصة تُنشر، كل شهادة تُعرض، وكل مظلمة تُرفع، هي دليل على أن هذه المؤسسة تحمل هم المهنة وهم الوطن في آن واحد.

الحملات التي تستهدف شحتان ليست سوى انعكاس لنجاحه. ففي بلدٍ يعرف جيداً من هم “سعاة الأكل والشرب والميكاب والتسوق في إنستغرام وتيك توك”، يصبح من الطبيعي أن يُحارب رجل اختار أن يكون وفياً لمهنته. كثيرون فضلوا الشهرة السهلة على حساب المهنة، واختاروا أن يبيعوا صورهم على حسابات التواصل الاجتماعي بدل أن يبيعوا الحقيقة في منصاتهم الإعلامية. لكن شحتان ظل صامداً، يحمي مهنته من الابتذال، ويواجه في كل مرة موجة من الانتقادات التي لا تعكس سوى خوف منافسيه من حضوره القوي.

إدريس شحتان ليس مجرد صحافي ناجح. هو أيضاً إنسان خلوق، مجتهد، لطيف، وفاعل خير. شهادات المقربين منه تكشف عن رجل لا يتوانى عن مساعدة الآخرين، سواء كانوا زملاء مهنة أو مواطنين بسطاء. وحين تُشن حملات ضده، فإنها في العمق ليست سوى تعبير عن الحقد على هذه الصفات. فالمجتمع، حين يواجه شخصاً صادقاً، يفضل أحياناً أن يشيطنه بدل أن يعترف بفضله.

الأرقام لا تكذب. نسب المشاهدة التي تحققها “شوف تيفي” يومياً لا يمكن إنكارها. ملايين المتابعين يتنقلون بين نشراتها المباشرة، وتقاريرها المصورة، وبرامجها الاجتماعية. حتى في زمن منصات كبرى مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك، تمكنت القناة من أن تجد لنفسها مكانة ثابتة، بل وأن تحوّل هذه المنصات إلى أدوات لتعزيز حضورها بدل أن تكون منافساً لها. على المستوى الإقليمي، صارت من بين أكثر القنوات الإلكترونية العربية متابعة، وعلى المستوى الدولي، تُدرج في تقارير تتعلق بصعود الإعلام الرقمي في العالم النامي.

هذه الأرقام ليست مجرد بيانات جافة. إنها انعكاس لثقة الجمهور. وثقة الجمهور لا تُشترى ولا تُباع. بل تُكتسب بالصبر، والمهنية، والوفاء للمبادئ. ولعل هذا هو أهم ما حققه شحتان: أن يجعل من “شوف تيفي” مرآة للمجتمع، وذاكرة للحظة المغربية الراهنة، ومختبراً لتجارب صحفية جديدة.

من يتابع مسار إدريس شحتان يدرك أنه لا يبحث عن المجد الشخصي فقط. مشروعه أكبر من ذلك. إنه يريد أن يُرسخ تقليداً جديداً في الصحافة المغربية، تقليداً يزاوج بين القرب من المواطن والاستفادة من التطور التكنولوجي، بين المهنية والالتزام الأخلاقي، وبين الحضور الرقمي والارتباط بالواقع الملموس. ولعل الحملة التي تُشن عليه اليوم، ليست سوى وسام على صدره، ودليلاً جديداً على أن الصحافي الذي يختار أن يكون مع الناس، سيبقى شوكة في حلق كل من لا يريد للصحافة أن تكون صوتاً حراً وصادقاً.