مجتمع

العقوبات البديلة..النيابة العامة على أهبة الإستعدا

غدا الجمعة يدخل المغرب مرحلة جديدة في منظومته القضائية مع بدء سريان العمل بالعقوبات البديلة، في خطوة تعتبرها الأوساط الحقوقية والقانونية محطة مفصلية نحو تحديث العدالة وجعلها أكثر إنسانية ونجاعة. ويأتي هذا التحول في إطار تنزيل القانون الذي صادق عليه البرلمان قبل أشهر، والذي يفتح الباب أمام اعتماد بدائل عن العقوبات السالبة للحرية، مثل العمل لأجل المنفعة العامة، المراقبة القضائية، أو الغرامات اليومية، في أفق الحد من الاكتظاظ داخل السجون ومنح فرصة للإدماج الاجتماعي للمحكومين.

مصادر قضائية أكدت أن رئاسة النيابة العامة توجد على أهبة الاستعداد لتفعيل هذه المقتضيات الجديدة، إذ تم تعميم مذكرات توجيهية على مختلف النيابات العامة بمختلف محاكم المملكة، تتضمن آليات تنزيل القانون وضوابط تكييفه مع الحالات التي تستوجب الاستفادة منه. هذه التعبئة تأتي انسجاما مع الرؤية الملكية الداعية إلى عدالة أكثر إنصافا ومرونة، تراعي في الآن ذاته مصلحة المجتمع وحق الأفراد في إعادة التأهيل.

وتراهن النيابة العامة على أن هذه الآلية لن تكون مجرد إجراء قانوني شكلي، بل مدخلا فعليا لمعالجة إشكالية العقوبة السجنية القصيرة المدى، التي أبانت التجارب السابقة عن محدودية جدواها في الردع أو الإدماج. لذلك تم تكوين قضاة النيابة العامة في كيفية صياغة الملتمسات التي تقترح العقوبات البديلة، مع الحرص على مراعاة ظروف كل حالة وملاءمتها مع نوع البديل الأنسب، سواء تعلق الأمر بجريمة بسيطة أو بمرتكب لأول مرة.

كما أن المجلس الأعلى للسلطة القضائية ووزارة العدل انخرطا في هذه الدينامية عبر وضع آليات للتتبع والتقييم، تتيح رصد نسب تطبيق هذه البدائل ومدى التزام المستفيدين بها، ضمانا لعدم تحولها إلى مجرد إجراء تجميلي، بل إلى رافعة حقيقية للإصلاح.

وإذا كان المغرب يلتحق بركب العديد من الدول التي سبقت إلى إقرار العقوبات البديلة، فإن التحدي الأبرز يظل في ضمان نجاعة التنفيذ، وتوفير البنية المؤسساتية القادرة على مواكبة المحكومين، سواء عبر مؤسسات المجتمع المدني أو من خلال مؤسسات عمومية. وهنا تراهن النيابة العامة على شراكات مع الجماعات الترابية والقطاعات الحكومية لفتح المجال أمام تنفيذ العقوبات في إطار يخدم المصلحة العامة، مثل العمل التطوعي داخل مرافق اجتماعية أو بيئية.

إن دخول العقوبات البديلة حيز التنفيذ ابتداء من الجمعة ليس مجرد حدث قانوني، بل هو إعلان عن بداية مرحلة جديدة من العدالة الجنائية ببلادنا، مرحلة تتأسس على التوازن بين الزجر والرحمة، بين حماية المجتمع وصون كرامة الفرد. والنيابة العامة، بما تملكه من سلطة في تحريك الدعوى العمومية وتقدير الملاءمة، توجد اليوم أمام مسؤولية تاريخية لترجمة هذه المقتضيات إلى ممارسة يومية ملموسة تعيد الثقة في القضاء وتفتح آفاقا أوسع لإصلاح المنظومة الجنائية ككل.