الفشل وضعفُ النظر السياسي..قيوح من فضيحة السيلفي إلى سقطة “الموطور”

الفشل في الممارسة السياسية لا يظهر فقط من خلال غياب الرؤية أو ضعف الإنجاز، بل يتجلى أيضاً في تفاصيل صغيرة لكنها تحمل دلالات عميقة حول طبيعة الرجل السياسي ومدى وعيه بمسؤوليته الرمزية. وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح وجد نفسه في قلب عاصفة من الجدل مرتين في فترة وجيزة، مرّة بسبب صورة “سيلفي” مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومرة أخرى بسبب قرار متسرّع يتعلق بتحديد سرعة الدراجات النارية. وبين الواقعتين، يتأكد أن الرجل يعيش أزمة حقيقية في فهم حدود مسؤولياته، وأنه يفتقد إلى ما يمكن تسميته بالحد الأدنى من البصيرة السياسية التي تفرضها اللحظة.الفشل في الممارسة السياسية لا يظهر فقط من خلال غياب الرؤية أو ضعف الإنجاز، بل يتجلى أيضاً في تفاصيل صغيرة لكنها تحمل دلالات عميقة حول طبيعة الرجل السياسي ومدى وعيه بمسؤوليته الرمزية.
وزير النقل واللوجستيك عبد الصمد قيوح وجد نفسه في قلب عاصفة من الجدل مرتين في فترة وجيزة، مرّة بسبب صورة “سيلفي” مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ومرة أخرى بسبب قرار متسرّع يتعلق بتحديد سرعة الدراجات النارية. وبين الواقعتين، يتأكد أن الرجل يعيش أزمة حقيقية في فهم حدود مسؤولياته، وأنه يفتقد إلى ما يمكن تسميته بالحد الأدنى من البصيرة السياسية التي تفرضها اللحظة.
حادثة السيلفي لم تكن مجرد صورة عابرة نشرها الوزير على حساباته في شبكات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضيحة سياسية بكل المقاييس. الوزير الذي يفترض أن يحضر المنتديات الدولية بجدية ممثلاً لبلاده، اختار أن يستعرض حضوره في صورة شخصية إلى جانب رئيس دولة مثيرة للجدل، متجاهلاً حساسية الموقف وسياقات العلاقات الدولية. هذه الخطوة أظهرت سطحية غير مبررة، خصوصاً أن السياسي لا يملك ترف التصرف كمراهق يسعى وراء لقطات تُثير الانتباه، بل هو مطالب بأن يكون رمزاً للدبلوماسية الرصينة. إقدامه على حذف الصورة لاحقاً تحت ضغط الرأي العام عزز الانطباع بأننا أمام وزير يفتقد للقدرة على التقدير الاستباقي، ويكتفي بردّ الفعل حين يجد نفسه في مواجهة النقد.
لكن ما حدث في ملف الدراجات النارية كشف بشكل أوضح أن الأمر ليس مجرد زلة تواصلية، بل هو قصور في الرؤية السياسية والإدارية. قرار وزارة النقل إطلاق حملة مفاجئة لمراقبة سرعة الدراجات النارية، وفرض معايير تقنية صارمة دون تحضير ولا إشراك الفاعلين، سرعان ما خلق ارتباكاً في الشارع، وأدى إلى موجة من السخط الشعبي. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى تدخل رئيس الحكومة عزيز أخنوش شخصياً ليوقف الحملة ويمنح مهلة انتقالية لمدة سنة، في مشهد يفضح ضعف الوزير وعدم قدرته على استيعاب حساسية الملفات المرتبطة بحياة المواطنين اليومية. كيف يمكن لوزير أن يغامر بقرار بهذا الحجم دون تقدير للعواقب الاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف يعجز عن إدارة ملف تقني بسيط إلا إذا تدخلت أعلى سلطة في الجهاز التنفيذي لإنقاذ الموقف؟
إن تكرار الأخطاء يضع قيوح في خانة الوزراء الذين لا يملكون أدوات الممارسة السياسية الرشيدة. فمن فضيحة السيلفي التي جسدت الهواية والبحث عن الأضواء، إلى سقطة “الموطور” التي أبرزت غياب التخطيط وسوء التدبير، يظهر الوزير وكأنه يسير بخطى متسارعة نحو فقدان ما تبقى من رصيده السياسي. السياسة ليست مجالاً للتجارب العفوية ولا ساحة للاستعراض الشخصي، بل هي فن إدارة الممكن وصياغة القرارات بذكاء وتوازن. والمواطنون الذين تابعوا هذه السقطات المتتالية يرون في قيوح نموذجاً للسياسي الذي لا يقرأ اللحظة ولا يستوعب تعقيداتها.
قد يقول البعض إن هذه مجرد أخطاء عابرة، لكن تراكمها في ظرف وجيز يطرح أسئلة عميقة حول معايير اختيار الوزراء في حكومة يفترض أن تواجه تحديات جسيمة مرتبطة بالنقل واللوجستيك، قطاع حيوي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. كيف يمكن الاطمئنان إلى قيادة شخص يفتقد إلى أبسط مهارات التواصل الاستراتيجي وإدارة الأزمات؟ كيف يمكن أن نثق في قراراته وهو الذي يتراجع عند أول موجة غضب شعبي؟ إن العجز عن استشراف تداعيات القرارات قبل اتخاذها هو وصفة مضمونة للفشل، وهو ما أثبته قيوح بوضوح.
السياسي الذي يسعى لتثبيت موقعه يحتاج إلى عقل بارد ورؤية عميقة، لا إلى اندفاعات عاطفية وصور “سيلفي” تحوله إلى مادة للسخرية. المغرب اليوم يحتاج إلى وزراء يُجيدون فن التقدير، يمتلكون الجرأة في اتخاذ القرار ولكن أيضاً الذكاء في توقيته وصياغته. قيوح، بكل ما أظهره من ارتباك، يقدم نموذجاً مضاداً: وزير بلا بوصلة، يتنقل من خطأ إلى آخر، ويجعل من نفسه عبئاً على الحكومة ورئيسها الذي اضطر للتدخل شخصياً لتصحيح قراراته. وبينما لا تزال تداعيات فضيحة السيلفي حاضرة في أذهان الرأي العام، جاءت سقطة “الموطور” لتؤكد أن الأمر ليس حادثاً عابراً بل نمطاً من سوء التقدير المستمر.
إن ضعف النظر السياسي عند قيوح لم يعد قابلاً للإخفاء أو التبرير. من يخطئ مرة قد يُغفر له، لكن من يكرر الأخطاء بنفس الخفة والسطحية يُثبت أنه غير مؤهل لتحمل المسؤولية. وبين فضيحة السيلفي وسقطة الموطور، لا يجد الرأي العام سوى خلاصة واحدة: وزير يعيش في قطيعة مع متطلبات السياسة الرشيدة، ويجر وراءه صورة باهتة لعمل حكومي يُفترض أنه يسعى إلى الجدية والنجاعة. وفي زمن يطالب فيه المغاربة بالكفاءة وربط المسؤولية بالمحاسبة، يصبح بقاء مثل هذا الوزير في موقعه عنواناً صارخاً لفشل الاختيارات الحكومية وضعف النظر السياسي.


