ظاهرة صامتة تهدد البيوت المغربية..حين يعيش الزوجان معاً بلا حياة زوجية

الطلاق، ذلك الفصل العاطفي والقانوني بين زوجين، لم يعد يقتصر فقط على قرارات المحاكم وملفات العدول. في المغرب، تنام عشرات الآلاف من النساء والرجال في غرف واحدة، ينهضون في الصباح نفسه، لكن لا تجمعهم أي حياة زوجية تُذكر. إنهم في حالة زواج قائمة شكلاً، ميتة مضموناً. الطلاق لم يقع رسمياً، لكنه واقع كل يوم. يسميه علماء النفس والاجتماع “الطلاق الصامت”، وتسميه الضحايا: “الموت بالحياة”.
ظاهرة الطلاق الصامت ليست مجرد حالة شاذة أو فردية، بل صارت نمطاً متكرراً في العلاقات الزوجية المغربية، تتسلل خلسةً إلى تفاصيل البيوت، وتستوطن المشاعر حتى تُجهز عليها. الحديث عنها يظل قليلاً، لأن الصمت لا يُوثَّق، ولا أحد يُبلّغ عن حياة زوجية انتهت دون طلاق. لكن خلف هذا الصمت، قصص دامية، ونساء ورجال يعيشون في عزلة داخل الحياة، ويحملون أعباء نفسية تفوق أحياناً آثار الطلاق القانوني.
في غياب معطيات رسمية دقيقة، تحاول بعض الجمعيات والمهنيين قياسها من خلال استطلاعات وآراء المختصين. تقرير صادر عن “جمعية تماسك الأسرة” سنة 2023، أشار إلى أن أكثر من ثلث الأزواج في المدن الكبرى يعتبرون علاقتهم منتهية عاطفياً، لكنهم يستمرون في العيش معاً لأسباب أبرزها الأبناء، وتكلفة الانفصال، والخوف من نظرة المجتمع. ومن جهة أخرى، يكشف ارتفاع معدلات الطلاق في المغرب — حيث تجاوزت 100 ألف حالة سنوياً وفق وزارة العدل — عن هشاشة البنية العاطفية لعلاقات كثيرة لا تصل إلى الطلاق الرسمي، لكنها تنطفئ من الداخل.
شهادات من قلب التجربة..أرامل المشاعر في بيوت مكتظة بالصمت
الطلاق الصامت لا يحدث فجأة، بل هو انزلاق تدريجي نحو القطيعة، يبدأ بسوء تفاهم، ثم خلافات مؤجلة، ثم انسحاب عاطفي حتى تتوقف العلاقة عن النمو. ومن تمارة، قرب الرباط، تحكي نجلاء:
“لم أعد أتذكر آخر مرة تحدث إليّ فيها زوجي بكلمة حقيقية. منذ ثلاث سنوات نعيش في بيت واحد، دون حديث أو اهتمام أو نظرة. لا عنف، لا خيانة، فقط صمت قاتل”.
نجلاء، وهي أم لطفلين، تفكر في الانفصال لكن تواجه ضغطاً عائلياً خانقاً: “قالوا لي اصبري من أجل الأبناء. لكن ماذا عني أنا؟ أنا أختنق”.
في برشيد، تعيش خديجة، أستاذة ابتدائي، تجربة صمت امتدت ثماني سنوات:
“صرنا ننام في سريرين منفصلين. لو مر أسبوع دون كلام، لا أحد يستغرب. أفكر في الطلاق لكنني أخاف الوصم. حتى الطبيب النفسي قال إنني أعاني من اكتئاب مزمن”.
أما عبد الحميد، خمسيني متقاعد من الدار البيضاء، فقد صدمته برودة زوجته بعد التقاعد:
“لم أعد أطلب حباً، فقط أن أشعر أنني موجود. لكن حتى هذا كثير”.
نجوى، شابة ثلاثينية من الجديدة، تصف نفسها بأنها “أرملة المشاعر”:
“كنا نحب بعضنا بجنون قبل الزواج، ثم انطفأ كل شيء. حاولنا الاستشارات الزوجية بلا جدوى. الآن نعيش فقط من أجل الواجهة”.
الأخصائيون النفسيون يرون أن هذا النمط من العلاقات هو “عنف نفسي مستمر“ يترك جروحاً أعمق من العنف الجسدي، والأخطر أن ضحاياه لا يجدون شرعية للشكوى لأنهم في نظر المجتمع “متزوجون”.
بين مدونة الأسرة والأعراف..فراغ قانوني وثقافي يغذي الظاهرة
رغم أن مدونة الأسرة المغربية لا تذكر مصطلح “الطلاق الصامت”، إلا أن هذا النمط من التفكك الأسري بات ظاهرة متنامية، كما توضح الدكتورة فتيحة الطالبي، محامية بهيئة طنجة، “يستمر الزواج شكلاً ويتعطل مضموناً، بما يشكل إخلالاً بأركان العلاقة الزوجية كما نصت عليها المواد 4 و51 من المدونة. ورغم غياب أثر قانوني مباشر له، إلا أنه يمهد لانحلال الرابطة الزوجية، ويمكن أن يُستدل به في دعاوى التطليق للشقاق (المادة 94)”.
وتضيف المتحدثة، “تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2023 يكشف أن %67 من دعاوى التطليق للشقاق ترتكز على أسباب نفسية وتواصلية، وهو ما يعكس حجم الصمت العاطفي داخل الأسر. ودراسات ميدانية لـ”منتدى الزهراء” تشير إلى أن 40% من النساء يعشن في علاقات يغيب عنها التفاهم، دون اللجوء للطلاق، بسبب الأبناء أو ضغط الأعراف”.
تضيف الطالبي:”الأعراف تجعل الأزواج يفضلون الانفصال غير المعلن، هروباً من نظرة المجتمع أو من مصاريف الطلاق. هكذا يتحول الزواج إلى مساكنة شكلية بدل المودة والرحمة، في ظل غياب نص قانوني صريح، ما يطرح تحديات أمام المشرع والقضاء لحماية الحقوق النفسية والمعنوية للأزواج والأبناء”.
في ظل هذه الوضعية، يدعو مختصون إلى اعتراف قانوني بالظاهرة، وإلى مراجعة السياسات العمومية في مجال المساعدة الاجتماعية، والإرشاد الأسري، والوساطة، بهدف إنقاذ العلاقات قبل أن تصل إلى الانفصال العاطفي أو الطلاق الرسمي. فالمجتمع المغربي، كما يرى خبراء، يحتاج إلى ثورة ثقافية في مفهوم الزواج والطلاق، وإلى تربية عاطفية تسبق القرار، لا أن تُستدعى بعد فوات الأوان.


